آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

توتر الرباط ومدريد يصل إلى الإعلام.. رواية «ABC» تسقط أمام نفي دفاع حجاوي

Banner Narsa

في تطور لافت يعيد فتح النقاش حول أخلاقيات الصحافة الاستقصائية في الملفات الأمنية الحساسة، أصدر مكتب المحاماة الفرنسي «Bourdon & Associés» بياناً رسمياً باسم مهدي حجاوي، النائب السابق لرئيس جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي (DGED)، ينفي فيه بشكل قاطع الاتهامات التي نشرتها الصحيفة الإسبانية «ABC» قبل يومين فقط.

ما نشرته «ABC»

في 7 شتنبر، نشرت «ABC» تحقيقاً استقصائياً بتوقيع الصحفية كيتي غارات، زعمت فيه أن حجاوي هو المصدر الذي زوّد مجموعة القراصنة المعروفة باسم «جباروت» ببيانات كشفت هويات أكثر من 70 ألف عنصر من جهاز الاستخبارات المغربي. وربط التحقيق الاسم ذاته بملف أوسع وأكثر حساسية: عملية اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عبر برنامج التجسس «Pegasus»، زاعماً أن حجاوي يحتفظ بما يقارب 2.6 غيغابايت من محتوى الهاتف المخترق، ومستعد للإفصاح عنها.

هذه اتهامات بالغة الخطورة، ليس فقط لأنها تمس شخصاً يخضع لمذكرة بحث دولية عبر الإنتربول، بل لأنها تُقحمه في ملف دبلوماسي وأمني يمس رئاسة حكومة دولة أوروبية.

ماذا يقول البيان القانوني؟

الرد جاء سريعاً وحاداً. البيان الصادر عن هيئة الدفاع ينفي نقطتين جوهريتين بلغة لا لبس فيها:

  • أن حجاوي لم ينقل أو يبلغ أو يفصح، بأي شكل من الأشكال ولأي طرف كان، وبالأخص مجموعة «جباروت»، عن أي قواعد بيانات أو وثائق أو معلومات تخص أجهزة الاستخبارات المغربية.
  • أن حجاوي لم يكن له أي اتصال، مباشر أو غير مباشر، لا مع صحيفة «ABC» ولا مع الصحفية كيتي غارات، سواء أثناء إعداد المقال أو خارج ذلك السياق.

ويصف البيان الاتهامات بأنها «خالية من أي أساس مادي»، مشيراً إلى أن المقال اكتفى بالاستناد إلى «مصادر استخباراتية» مجهولة الهوية، دون تقديم أي دليل ملموس أو قابل للتحقق أو للمواجهة القانونية. ويطالب الدفاع الصحيفة رسمياً بنشر تصحيح، كما يدعو باقي وسائل الإعلام التي تناقلت الخبر إلى توخي أقصى درجات الحذر.

النقطة الأخطر: غياب «حق الرد»

من الناحية المهنية البحتة، أخطر ما يتضمنه البيان ليس نفي المضمون فحسب، بل تأكيده أن الصحيفة لم تتصل بحجاوي أصلاً قبل النشر. في الصحافة الاستقصائية، منح الطرف المتهم فرصة للرد قبل النشر ليس تفصيلاً شكلياً، بل ركيزة أساسية من ركائز المهنة، خصوصاً حين يتعلق الأمر باتهامات تمسّ سمعة شخص وتُقحمه في قضايا تجسس وأمن دولة.

نشر اتهامات بهذا الحجم استناداً إلى مصادر مجهولة، دون محاولة موثقة للتواصل مع المعني بالأمر، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول منهجية التحقيق، بصرف النظر عن صحة الوقائع المنشورة من عدمها.

جدل موازٍ حول تماسك الرواية

القصة أثارت أيضاً تعليقات نقدية من متابعين للملف المغربي-الإسباني، لاحظوا تناقضاً ظاهرياً في رواية الصحيفة: كيف تُقدَّم الصحيفة نفسها كجهة تجهل مكان وجود حجاوي، بينما تستند في الوقت ذاته إلى «مصادر مقرّبة منه» لتفصيل خطواته وخططه المستقبلية؟

هذا التناقض، إن صحّ، يستحق توضيحاً من الصحيفة نفسها قبل الحكم على مصداقية التحقيق ككل، خصوصاً أن الأمر يتعلق باتهامات أمنية واستخباراتية بالغة الحساسية.

سياق أوسع لا يمكن تجاهله

يندرج هذا الملف ضمن قضية أعمق وأكثر حساسية: التوتر المتصاعد حول من يقف فعلياً وراء اختراق هاتف بيدرو سانشيز، وهي قضية ما تزال مثار خلاف بين محللين ومصادر إعلامية إسبانية نفسها حول الجهة المسؤولة، أي DGED أم DGST، وحول حجم الأدلة المتوفرة فعلاً.

في ملف بهذه الحساسية الدبلوماسية والأمنية، يصبح التحقق الصارم من المصادر، ومنح حق الرد، ونشر الأدلة القابلة للتحقق، شرطاً لا غنى عنه، لا رفاهية مهنية.

نموذج موازٍ: حين تتخبط المؤسسات الإسبانية في روايتها هي نفسها — قضية سبتة

قصة حجاوي ليست حادثة معزولة في طريقة تعاطي بعض الأطراف الإسبانية مع الملف المغربي. ما جرى قبل أسابيع في سبتة يقدّم نموذجاً موثقاً بأقلام صحفية إسبانية بحتة، لا بروايات خارجية، لهذا التخبط.

في ليلة 30 و31 يوليوز 2026، عبر ما بين 70 و88 ألف شخص الحدود من المغرب نحو سبتة، في أكبر حادثة عبور جماعي تعرفها المدينة منذ أزمة 2021، وسقط خلالها، وفق تقارير إعلامية إسبانية، أكثر من مائة قتيل، غالبيتهم غرقاً. مأساة إنسانية بكل المقاييس، تستحق تعاملاً مسؤولاً من الجميع، بعيداً عن أي توظيف سياسي لها.

الموقف الرسمي لوزارة الداخلية الإسبانية، بحسب مصادرها، أكد أن المغرب «يتعاون بشكل موالٍ ومستمر» لاحتواء الأزمة. لكن بالتوازي، كشفت تقارير صحفية إسبانية، منها «Mundiario» و«Infobae»، أن تقريراً أعدته وحدة تابعة للشرطة الوطنية الإسبانية، ووُجّه مباشرة إلى القاضية المكلفة بالملف لدى المحكمة الوطنية العليا (Audiencia Nacional)، نسب لعناصر مغربية «دوراً نشطاً» في تنظيم عملية العبور الجماعي.

وهو تقرير لم يُبلَّغ به وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا عبر التسلسل الإداري المعتاد، إذ أمرت القاضية بألا يُبلَّغ به رؤساء معدّيه، نظراً لكون الملف تحت التحقيق القضائي منذ 3 غشت. وعلم مارلاسكا بوجود التقرير لاحقاً، وطالب علناً مدير عام الشرطة بتوضيحات.

والمفارقة أن مدير الشرطة نفسه عاد بعد أيام ليُخفف من وقع التقرير، مؤكداً لمارلاسكا أن الوثيقة لا «تنسب بشكل مباشر» إلى الأجهزة الأمنية المغربية التخطيط للعملية أو تنفيذها. وبالتوازي، أفاد تقرير منفصل صادر عن الحرس المدني بأن التحذيرات المسبقة التي وصلت عبر قنوات التعاون المعتادة لم تكن تنذر بحجم الانهيار الذي وقع فعلياً على الحدود.

الحصيلة: وزير داخلية يكتشف تقريراً حساساً بعد فوات الأوان، ومديرو أجهزة أمنية يقدمون قراءات متباينة للملف نفسه، ومعارضة سياسية، ممثلة في حزب الشعب وبصوت زعيمه ألبرتو نونيز فيخو، تتهم الحكومة بأنها «كانت تعلم وتكتمت»، فيما تتحدث نقابات شرطية، مثل «Jupol» والاتحاد الفيدرالي للشرطة والرابطة الموحدة للحرس المدني، عن «حرب هجينة» مدبَّرة من الرباط، بينما تصر الحكومة نفسها على رواية «التعاون الموالي».

هذا التضارب موثَّق ومنشور في الصحافة الإسبانية نفسها، وهو ما يمنحه وزناً أكبر من أي اتهام مجرد يأتي من خارج إسبانيا.

السؤال المشروع الذي يطرحه هذا الملف: إذا كانت المؤسسات الإسبانية نفسها — الحكومة، الشرطة، الحرس المدني، القضاء، المعارضة — غير قادرة على الاتفاق فيما بينها حول طبيعة الدور المغربي في هذه الواقعة، فعلى أي أساس تُبنى اتهامات إعلامية قاطعة، كتلك التي وجّهتها «ABC» لشخص بعينه في قضية حجاوي، استناداً إلى «مصادر استخباراتية» لم تُكشف هويتها قط؟

هذا لا يعني تبرئة تلقائية للطرف المغربي من كل تقصير محتمل، لكنه يعني أن الحكم القاطع والسريع، من أي جهة كان، يفتقر اليوم إلى أساس متماسك يكفي لتبريره.

وماذا بعد؟

حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تصدر «ABC» أي رد علني على بيان «Bourdon & Associés». ويبقى مآل هذا النزاع مرتبطاً بما إذا كان فريق الدفاع عن حجاوي سيتجه نحو مسار قضائي رسمي ضد الصحيفة، وهو ما سيحدد الفصل التالي من هذه القضية التي تتقاطع فيها الصحافة الاستقصائية بالدبلوماسية والاستخبارات.

وسواء تعلق الأمر بملف حجاوي أو بملف سبتة، يبقى الخيط الناظم واحداً: حين تتصدر الاتهامات القاطعة عناوين الصحف قبل اكتمال الأدلة، وحين تتناقض المؤسسات المعنية نفسها حول تفسير وثائقها، فإن المستفيد الوحيد ليس القارئ، بل من يستثمر في الغموض لخدمة رواية جاهزة سلفاً.

Banner Narsa
المقال التالي