آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

صادم.. “البام” يغلق أبواب فاس في وجه الصحافة المستقلة وينحو منحى زعيمه السابق وهبي

Banner Narsa

تعد حرية الصحافة إحدى الركائز الأساسية لأي ممارسة ديمقراطية حقيقية، فالصحافة الحرة والمستقلة تظل الضامن الأهم لنقل الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، وإيصال أسئلة المواطنين دون وصاية أو انتقاء. كما أن علاقة الأحزاب السياسية بالإعلام يفترض أن تقوم على الانفتاح وقبول النقد، باعتبار أن الصحافي ليس مطالبا بالتصفيق للسياسي، بل بطرح الأسئلة التي قد تكون محرجة، والبحث عن الحقيقة من مختلف زواياها.

وفي هذا السياق، تطرح الطريقة التي تتعامل بها بعض الأحزاب مع الصحافة المستقلة أسئلة جدية حول حدود العلاقة بين السياسي والإعلامي، خصوصًا عندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى إقصاء أو متابعة أو منع من تغطية الأنشطة السياسية.

البام يحرث الصحافة المستقلة

“البام يحرث الصحافة المستقلة”؛ جملة تختصر، من فرط دلالتها، مشهدا سياسيا وإعلاميا كاملا، وتصلح لأن يحملها الحزب شعارا سياسيا له دون أن يخجل منها. فالحزب الذي يفترض أن يكون من المدافعين عن التعدد والاختلاف وحرية التعبير، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة بشأن علاقته بالصحافة المستقلة.

وبعد الجدل الذي رافق تعدد شكايات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الأمين العام السابق للحزب، ضد صحافيين ومواقع إخبارية، من بينها ملفات همّت مدير نشر موقع «بديل» حميد المهداوي ومدير نشر «اليوم24» عبد الحق بلشكر، إضافة إلى ملف الصحافي محمد رضا طوجني، الذي شهد تشديد العقوبة استئنافيًا قبل أن يستفيد من عفو ملكي، ها هو المشهد يتجدد اليوم في فاس، ولكن هذه المرة بطريقة أخرى: منع طاقم موقع «مغرب تايمز» من دخول اللقاء الجهوي الذي نظمه الحزب.

من القضاء إلى باب الفندق، تبدو الرسالة، في نظر منتقدي الحزب، واحدة: الصحافي الذي لا يسير وفق إيقاع السياسي يصبح عبئًا ينبغي إبعاده.

منع الصحافة المستقلة من لقاء فاس

وفي فندق «زلاغ» بمدينة فاس، أمس الثلاثاء، حيث احتضن المكان لقاءً وُصف زورًا بـ«عرض البرامج الانتخابية»، تكرر السيناريو نفسه بحذافيره.

فبينما كان الوزير يونس السكوري يستعد لإلقاء كلمته أمام حضور مُنتقى بعناية، كانت الأبواب تُغلق بإحكام في وجه كل صحافي مستقل يُحتمل أن يزعج السيناريو المُعد سلفًا.

مُنع طاقم الموقع الذي يعمل به كاتب هذه السطور، بعدما بلغ منظمي اللقاء أن الصحافي كان ينوي توجيه أسئلة محرجة إلى الوزير السكوري.

لم يكن الأمر، بحسب ما يبدو من ملابسات الواقعة، مجرد سوء تنظيم أو حادث عابر، بل قرارًا واعيًا يستهدف، بالاسم، كل صوت لا يضمن الحزب سلفًا أنه سيصفق بدل أن يسأل.

منابر موالية في الواجهة وصحافة مستقلة خارج الباب

هذه ليست حادثة معزولة، بل تبدو أقرب إلى عقيدة كاملة في التعامل مع الإعلام: منابر موالية تُفرش لها السجادة الحمراء، وصحافة مستقلة تُقصى من الباب قبل أن تصل إلى القاعة، وصحافيون يُستدعون إلى المحاكم بدل أن يُستقبلوا في القاعات.

حزب يتحدث عن «الإنصات للمواطن» و«التواصل» في بياناته، بينما يمارس ميدانيًا انتقاء الأسئلة وانتقاء السائلين، وقضائيًا ملاحقة من يزعجه بقلمه، في نسخة مكتملة الأركان من منطق الغرف المغلقة الذي طالما ادّعى الحزب أنه جاء لكسره.

تحذيرات مهنية بشأن حرية الصحافة

والمفارقة أن هذا المنحى يتقاطع مع تحذيرات مهنية متكررة؛ فقد عبّرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن قلقها البالغ من التصاعد المقلق للمتابعات القضائية ضد الصحافيين، محذرة من اللجوء إلى القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر في قضايا مرتبطة بالمهنة، وهو ما يفرغ، بحسب مهنيين، هذا القانون الأخير من محتواه.

وفي الموازاة، تُظهر آخر بيانات «مراسلون بلا حدود» مفارقة صارخة: تحسّن رقمي في ترتيب المغرب ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة، يقابله استمرار الأسئلة البنيوية المرتبطة بالإطار القانوني والضغوط السياسية والاقتصادية على المهنيين.

شكايات وهبي في مواجهة الصحافيين

ولم يبقَ الأمر مجرد تحذيرات نقابية، بل تُرجم عمليًا إلى سلسلة من الشكايات حملت توقيع الوزير وهبي نفسه، بلغت، وفق إحصاء مهني، نحو 6 شكايات في أقل من سنة، 4 منها ضد صحافيين بأعيانهم، من بينها شكايتان في مواجهة منبر واحد.

استُدعي على إثرها صحافيون إلى الشرطة القضائية للاستماع إليهم، فيما رُفعت عقوبة الناشط رضا الطاوجني استئنافيًا من سنتين إلى 4 سنوات سجنًا نافذًا، قبل أن يقضي منها أشهرًا معدودة ويستفيد من عفو ملكي.

مسار كامل يفضح، في قراءة منتقديه، نية مُبيّتة لوضع طوق حول عنق كل صوت صحافي مزعج.

ملفات قضائية تطارد الحزب

ولم تكن هذه الازدواجية بدعة معزولة عن سياق الحزب العام، فالحزب نفسه يدخل الاستحقاقات التشريعية المقبلة وهو يحمل على كتفيه ملفات قضائية طالت عددًا من منتخبيه، من بينها ملفات مرتبطة بقضية تبييض أموال دولية اشتهرت إعلاميًا بـ«إسكوبار الصحراء»، إلى جانب أحكام بالحبس النافذ في حق مسؤولين محليين سابقين بتهم تبديد المال العام.

والمفارقة أن حزبًا يتحدث عن الشفافية ومحاربة الريع، بينما يتستر على أسئلة الصحافة عن ملفاته الداخلية، يعيد إنتاج المنطق المخزني القديم القائم على التحكم في مبنى ومعنى الممارسة الإعلامية، بثوب حزبي جديد يزعم الحداثة.

فاس.. صورة مكثفة لعلاقة «البام» بالصحافة

ما جرى بفاس ليس، في نظر منتقدي الحزب، مجرد زلة تنظيمية يمكن الاعتذار عنها، بل صورة مكثفة لحزب يريد صحافة تصفق له، لا صحافة تسائله.

حزب يرفع شعار «التواصل» بيد، ويغلق الأبواب بيد أخرى، ويلاحق بالقضاء من يزعجه بيد ثالثة.

وهذا، بكل بساطة، ليس تواصلًا سياسيًا، بل حرث منظم لحقل الصحافة المستقلة، بمحراث حزبي ضخم لا يفرق بين ما هو مزروع وما هو حر.

Banner Narsa
المقال التالي