وعد رفع “السميغ” إلى 5 آلاف درهم.. هل تكشف الحسابات الاقتصادية زيف الخطاب الانتخابي؟


وعد انتخابي يعيد فتح نقاش قديم ومتجدد حول حدود قدرة الاقتصاد المغربي على تحمّل كلفة إضافية للعمل. ويطرح حزب التجمع الوطني للأحرار رفع «السميغ» إلى 5000 درهم ضمن برنامجه للولاية التشريعية 2026-2031، معتبراً الإجراء أداة لحماية القدرة الشرائية. غير أن الحزب لم يقدم، حتى الآن، جدولاً زمنياً دقيقاً لكيفية توزيع هذه الزيادة، ولا الإجراءات المرافقة التي قد تستفيد منها المقاولات لامتصاص الكلفة الإضافية.
5000 درهم على الورق.. متى يتحول الوعد إلى قرار؟
تعود جذور هذا النقاش إلى تصريح رئيس التجمع الوطني للأحرار، محمد الشوقي، الذي أعلن يوم الجمعة أن حزبه يقترح رفع «السميغ» تدريجياً إلى 5000 درهم. ويعني هذا الرقم زيادة تناهز 46 بالمئة مقارنة بالمستوى الحالي المحدد في 17,92 درهم للساعة، أي ما يعادل 3422,72 درهم شهرياً على أساس 191 ساعة عمل. ولو وُزعت هذه الزيادة على سنوات الولاية التشريعية الخمس، فإنها ستعني ارتفاعاً سنوياً متوسطاً يقارب 7,9 بالمئة، وذلك بعد دورة زيادات سابقة رفعت «السميغ» بنسبة 20 بالمئة بين 2021 و2026، من 14,81 درهم إلى 17,92 درهم للساعة.
3,24 ملايين أجير تحت عتبة 5000 درهم.. من المستفيد الأكبر؟
تكشف الأرقام حجم الفئة المعنية بهذا النقاش. فبحسب التقرير الإحصائي والديمغرافي لسنة 2025 الصادر عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بلغ عدد الأجراء المصرح بهم 4,22 مليون أجير، بمتوسط أجر شهري قدره 6149 درهماً، في حين لم يتجاوز الأجر الوسيط 3363 درهماً. وسجل نحو 3,24 ملايين أجير، أي ما يقارب 77 بالمئة من الأجراء المصرح بهم، أجراً شهرياً يقل عن 5000 درهم، فيما لم يتجاوز متوسط أجر الأجراء الجدد المصرح بهم لأول مرة سنة 2025 سوى 3614 درهماً. كما يسجل التقرير أن 89 بالمئة من المشغلين المصرح بهم يشغلون في المتوسط عشرة أجراء أو أقل شهرياً.
المقاولات أمام فاتورة ثقيلة.. هل يتحول الوعد الاجتماعي إلى عبء اقتصادي؟
في المقابل، تحذر أوساط القطاع الخاص من الانتقال السريع نحو هذا المستوى دون مواكبة. ويرى رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب أن أي مراجعة للأجور «يجب أن تندرج ضمن تفكير شامل حول تطور النموذج الاقتصادي»، مشيراً إلى أن قطاعات كبرى، كالنسيج والسيارات والإسناد الجزئي، لا تزال ترتكز على تنافسية قائمة على الكلفة. أما أحد الصناعيين في قطاع النسيج، فيرى أن طرح رقم 5000 درهم من دون جدولة أو دراسة قطاعية أو تدابير مرافقة للإنتاجية «يندرج في خانة الشعبوية الاقتصادية»، محذراً من أن قطاع التفصيل، الذي يمثل نحو 70 بالمئة من نشاط النسيج، يحقق في بعض شرائحه قيمة مضافة لا تتجاوز 36000 درهم للأجير سنوياً، أي ما يعادل 3000 درهم شهرياً فقط.
الكابلاج يواجه اختباراً صعباً.. هل يصمد هامش الربح أمام زيادة الأجور؟
ويشاطره مهني في قطاع صناعة السيارات هذا التخوف، مؤكداً أن هوامش الربح في صناعة الكابلاج لا تتجاوز غالباً 2 بالمئة، ما يجعل امتصاص أي ارتفاع كبير في كلفة اليد العاملة أمراً بالغ الصعوبة. ويرى أن الاقتصاد المغربي امتص بالفعل زيادة تفوق 20 بالمئة في «السميغ» خلال السنوات الأخيرة، من دون أن ترتفع الإنتاجية بالوتيرة نفسها، ما يجعل تكرار السيناريو أمراً محفوفاً بالمخاطر على مستوى الاستثمار والتشغيل.
الأجور تتقدم والإنتاجية تتعثر.. من يدفع ثمن الفجوة؟
وتؤكد معطيات بنك المغرب في تقريره السنوي أن إنتاجية العمل في القطاعات غير الفلاحية لم ترتفع سوى بنسبة 0,9 بالمئة سنة 2025، مقابل ارتفاع الأجر المتوسط في القطاع الخاص بنسبة 4,9 بالمئة اسمياً و4,1 بالمئة بالقيمة الحقيقية. وبين هذه الأرقام تحديداً، يبقى السؤال قائماً حول الجهة التي ستتحمل كلفة الفارق بين طموح اجتماعي مشروع وواقع إنتاجي لم يواكبه بعد.
فالقرار السياسي قد يكون سهلاً، لكن تحويل وعد رفع «السميغ» إلى 5000 درهم يضع الحكومة المقبلة أمام معادلة أكثر تعقيداً: رفع دخل الأجير من جهة، والحفاظ على تنافسية المقاولة وفرص الشغل والاستثمار من جهة أخرى.





تعليقات