حدود تجارة، وأمن.. الأوراق التي يملكها المغرب في مواجهة زيارة الملك الإسباني


تضع الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد، بعدما أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن العاهل الإسباني سيزور المدينتين في ظل استمرار تداعيات أزمة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز. وتكتسب الخطوة حساسية خاصة بسبب تمسك مدريد بسيادتها على المدينتين، مقابل الموقف المغربي الرافض لهذا التصور والمتمسك بمغربيتهما.
السيادة في الواجهة.. زيارة ملكية تحمل رسائل تتجاوز البروتوكول
لا تبدو زيارة فيليبي السادس، في حال تنفيذها، مجرد محطة بروتوكولية، خصوصا أنها ستكون الأولى له إلى سبتة ومليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014. ففي الوقت الذي تعتبر فيه مدريد الزيارة ممارسة طبيعية لاختصاصات الملك داخل الأراضي التي تعدها إسبانية، قد تنظر إليها الرباط باعتبارها خطوة ذات حمولة سياسية في ملف تعتبره مرتبطا بوحدتها الترابية. وتكشف حساسية التوقيت أن الزيارة يمكن أن تتحول إلى اختبار لمدى قدرة البلدين على الفصل بين تأكيد المواقف السيادية والحفاظ على علاقاتهما الثنائية.
الحدود.. الورقة الأكثر حساسية في يد الرباط
تمتلك المملكة المغربية بحكم موقع سبتة ومليلية الجغرافي قدرة عملية على التأثير في حركة الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية، وهي ورقة سبق أن اكتسبت أهمية كبيرة في العلاقات بين البلدين. غير أن استخدامها يظل مرتبطا بحسابات سياسية واقتصادية وإنسانية دقيقة، لأن أي تشديد واسع قد تكون له انعكاسات مباشرة على سكان المدينتين وعلى المصالح التجارية المرتبطة بالمناطق المحيطة بهما. ولذلك، فإن الحدود تمثل أداة ضغط محتملة، لكنها في الوقت نفسه ورقة تحتاج إلى إدارة محسوبة حتى لا تتحول إلى مصدر تصعيد يصعب احتواؤه.
التجارة.. اعتماد متبادل يجعل التصعيد مكلفا للطرفين
ولا تقتصر الأوراق المغربية على الجانب الحدودي، إذ ترتبط سبتة ومليلية اقتصاديا بمحيطهما الجغرافي المغربي، بينما تشكل العلاقات التجارية بين المغرب وإسبانيا إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية. ومن ثم، فإن أي إعادة نظر في التسهيلات أو حركة السلع يمكن أن تترك أثرا متبادلا، ما يجعل الاقتصاد عاملا رادعا أمام تحويل الخلاف حول السيادة إلى مواجهة مفتوحة. وفي هذا السياق، قد تكون إعادة تقييم بعض الترتيبات التجارية أكثر تأثيرا من اتخاذ إجراءات مفاجئة وشاملة.
الأمن والهجرة.. ورقة لا تستطيع مدريد تجاهلها
يشكل التعاون الأمني والهجرة أحد أكثر الملفات حساسية بين الرباط ومدريد، وقد برزت أهمية هذا التعاون مجددا خلال أزمة العبور الجماعي نحو سبتة. وتدرك إسبانيا أن إدارة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية تعتمد بدرجة كبيرة على مستوى التنسيق مع المغرب، وهو ما يمنح الرباط مساحة للمناورة السياسية. غير أن استخدام هذا الملف كوسيلة ضغط مباشرة قد يضر بمصالح البلدين، لذلك تبدو إعادة تقييم مستوى التعاون، وليس قطعه بالضرورة، إحدى الأدوات الأكثر واقعية.
أزمة سبتة الأخيرة رفعت كلفة أي خطوة سيادية جديدة
تأتي الزيارة المحتملة بعد أزمة هجرة غير مسبوقة شهدتها سبتة في نهاية يوليوز، وهو ما جعل المدينة محور نقاش سياسي وأمني داخل إسبانيا. وقد حاولت الحكومة الإسبانية، بحسب تقارير صحافية، تفادي تحميل المغرب مسؤولية مباشرة عن الأزمة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية استمرار التعاون معه. كما أن تأجيل الزيارة في وقت سابق وربطها بتوفر «الظروف المناسبة» يعكسان حجم الحسابات السياسية المحيطة بها.
الرد الدبلوماسي.. ورقة يمكن أن تسبق الاقتصاد والحدود
لا يفرض تأكيد مدريد لسيادتها على المدينتين أن يكون الرد المغربي اقتصاديا أو حدوديا، إذ يمكن للرباط البدء بأدوات دبلوماسية وسياسية، عبر إعادة التأكيد على موقفها من سبتة ومليلية وتكثيف التحرك بشأن القضية على المستوى الدولي. ويظل هذا الخيار أقل كلفة بالنسبة إلى العلاقات الثنائية، خصوصا أن البلدين راكما خلال السنوات الماضية مستوى مهما من التعاون في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد.
المعاملة بالمثل.. من الاحتجاج إلى إعادة تقييم التعاون
يمكن للمغرب، في حال اعتبر الزيارة خطوة استفزازية، اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل عبر إعادة تقييم بعض جوانب التعاون الثنائي، من دون الانتقال مباشرة إلى إجراءات تصعيدية. وقد سبق أن أظهر المغرب سنة 2007 أن بإمكانه اللجوء إلى أدوات دبلوماسية قوية ردا على زيارة الملك خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية. غير أن التجربة نفسها أظهرت أيضا إمكانية احتواء الأزمة وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
الجغرافيا تمنح الرباط نفوذا عمليا لا تملكه مدريد على المستوى نفسه
تتميز سبتة ومليلية بوجودهما داخل المجال الجغرافي المغربي، واعتمادهما الكبير على محيطهما المباشر في حركة الأشخاص والبضائع والخدمات. وهذا الوضع يمنح المغرب أوراقا عملية مرتبطة بالجغرافيا لا يمكن تجاهلها عند تقييم أي تصعيد محتمل. لكن هذه الأوراق تظل مرتبطة أيضا بمصالح اقتصادية واجتماعية مشتركة، ما يجعل استخدامها الكامل خيارا عالي الكلفة بالنسبة إلى الطرفين.
زيارة الملك تختبر قدرة البلدين على حماية التعاون وسط خلاف السيادة
قد تتحول زيارة فيليبي السادس إلى محطة رمزية عابرة إذا حرصت مدريد والرباط على إبقاء الخلاف حول سبتة ومليلية منفصلا عن باقي ملفات التعاون، وقد تصبح، في المقابل، نقطة توتر جديدة إذا جرى تقديمها باعتبارها تحديا مباشرا للموقف المغربي. وفي ظل امتلاك الرباط أوراق الحدود والتجارة والأمن والهجرة، تملك المملكة هامشا واسعا للرد، لكن الأكثر تأثيرا قد يكون في إدارة هذه الأوراق تدريجيا وبحسابات دقيقة، بما يحافظ على المصالح المغربية ويمنع في الوقت نفسه انزلاق العلاقة مع مدريد إلى مواجهة مفتوحة.





تعليقات