طوجني لـ”مغرب تايمز”: مليون منصب شغل لا يصنعه وعد انتخابي.. وهذه شروط تحقيق الوعود


مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتصدر وعود الحماية الاجتماعية برامج عدد من الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وللأجور إلى 5000 درهم، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، إضافة إلى التعهد بخلق مليون منصب شغل. غير أن هذه الوعود، على جاذبيتها الانتخابية، تطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعيتها وقابليتها للتنفيذ، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة نقدية من خبراء الحماية الاجتماعية.
وعود بلا أرقام: هل يكفي الإعلان السياسي لتبرير الإصلاح؟
في تصريح لـ«مغرب تايمز»، يرى الخبير في الحماية الاجتماعية سعد طوجني أن جزءًا كبيرًا من هذه الوعود «يفتقد، في صيغته الحالية، إلى المعطيات العلمية والمالية التي تسمح بالحكم على قابليته للتنفيذ»، مشددًا على أن الإصلاحات الهيكلية «لا يمكن أن تُبنى على أرقام تُطرح خلال الأسابيع التي تسبق الانتخابات، وإنما تحتاج إلى دراسات استراتيجية دقيقة تحدد الفئات المستهدفة، والكلفة الإجمالية، ومصادر التمويل وآليات التنفيذ»، خاصة أن الأحزاب المكونة للحكومة الحالية قد فشلت في إصلاح منظومة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، وتعتبر هاتان الشعبتان أهم ورشين في البرنامج الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية في خمس سنوات، في أجل أقصاه نهاية سنة 2025.
من 1000 إلى 3000 درهم: قفزة رقمية تحتاج إلى حساب دقيق قبل الوعد
وفيما يخص وعد رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، يحذر طوجني من التعامل معه باعتباره قرارًا ماليًا بسيطًا، موضحًا أن رفع معاش شخص يتقاضى، مثلًا، 1000 درهم إلى 3000 درهم «يقتضي أولًا إجراء دراسات اكتوارية دقيقة لتحديد الكلفة الحقيقية للإجراء وانعكاساته على أنظمة التقاعد لكل صندوق على حدة».
ويؤكد أن هذا الرفع «لا يمكن أن يتم بقرار سياسي منفصل عن دراسة اكتوارية تحدد عدد المستفيدين، ومتوسط مدة صرف المعاش، وتطور أمد الحياة، ومصادر تمويل الزيادة».
عقود من التأجيل: لماذا يستعصي حسم ملف التقاعد منذ زمن طويل؟
ويذكّر الخبير بأن إصلاح التقاعد ظل مطروحًا على الحكومات المغربية المتعاقبة منذ عقود، من دون أن يتم الحسم فيه بشكل نهائي، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، حجم التعقيد المالي والاجتماعي والسياسي الذي يحيط بالملف.
ويشكل استمرار هذا الملف مفتوحًا لسنوات طويلة، في نظره، مؤشرًا إضافيًا على صعوبة حسم مثل هذه الوعود بقرار انتخابي سريع.
العجز المزمن لصناديق التقاعد
ويرى طوجني أن الصعوبة الأولى تكمن في محدودية سوق الشغل، الذي لا يوفر مناصب كافية لاستيعاب الوافدين الجدد غير المؤهلين لمتطلبات الشركات، ونحن نمر بالثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.
ولا تتعلق الصعوبة، بحسب طوجني، بقيمة المعاش وحدها، بل أيضًا بالتحولات الديموغرافية، وفي مقدمتها ارتفاع أمد الحياة وتزايد عدد الأشخاص الذين يتجاوزون سن الستين، بما يعني ارتفاع عدد المستفيدين من المعاشات وتزايد النفقات المرتبطة بها.
ويوضح أن استدامة الأنظمة تفرض النظر في العلاقة بين عدد المساهمين وعدد المتقاعدين، ومتوسط مدة الاستفادة من المعاش، وتطور أمد الحياة؛ فكل تحسن في أمد الحياة يعني، من الناحية المالية، سنوات إضافية من صرف المعاشات، وهو ما يجعل أي إصلاح للتقاعد مرتبطًا بشكل مباشر بالتغيرات الديموغرافية.
أما بخصوص وعد خلق مليون منصب شغل
أما بخصوص وعد خلق مليون منصب شغل، الوارد سنة 2021 ضمن التزامات الحكومة الحالية، فهو رهين بنسبة النمو الاقتصادي. ويرى الخبير أن الرقم في حد ذاته لا يكفي لإثبات قابلية التنفيذ، لأن خلق هذا العدد من المناصب يفترض نموًا اقتصاديًا واستثمارات ومصادر تمويل قادرة على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فضلًا عن الحفاظ على المناصب القائمة.
ويظل تحقيق هذا الهدف مرتبطًا بمستوى النمو الاقتصادي والاستثمار والقدرة التنافسية للمقاولات، وتطور القطاعات الصناعية والخدماتية والفلاحية، إضافة إلى ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل.
الدعم المباشر: إصلاح المؤشر الاجتماعي وإعفاء المستفيدين من واجب الانخراط
ويرى طوجني أن الأولوية، فيما يخص الدعم الاجتماعي المباشر، تقتضي قبل كل شيء إصلاح المؤشر الاجتماعي وإعفاء المستفيدين منه من أداء واجب الانخراط في التأمين الإجباري عن المرض، كما هو الحال لحد الآن.
أما فيما يخص الوعد برفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، فيقتضي معرفة عدد الأسر التي ستستفيد من الزيادة، وما إذا كانت القيمة ستُمنح بشكل موحد أم ستختلف بحسب تركيبة الأسرة وعدد الأطفال والوضعية الاجتماعية، فضلًا عن الكلفة السنوية المترتبة عن ذلك.
أربعة محاور ومعادلة واحدة: امتداد لإصلاحات قائمة أم عبء مالي جديد؟
ويضع سعد طوجني الحماية الاجتماعية ضمن أربعة محاور رئيسية جاء بها القانون 09.21، وهي التأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح أنظمة التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل، مشيرًا إلى أن ورشي التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل لم يُصلحا بعد، رغم أن الاستعمال المفرط لشعار «الدولة الاجتماعية».
وهو ما يجعل الوعود الانتخابية الجديدة، في نظره، بحاجة إلى إجابات أكثر دقة حول ما إذا كانت ستشكل امتدادًا لإصلاحات قائمة أصلًا، أم ستضيف التزامات مالية جديدة إلى خزينة الدولة.
تحليل: بين حماسة الصندوق الانتخابي وانضباط الصندوق المالي
يكشف مسار هذا النقاش، في تصريحه لـ«مغرب تايمز»، عن مفارقة متكررة في كل موعد انتخابي: أرقام كبيرة تُطرح في زمن قصير، مقابل ملفات، كالتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، ظلت عصية على الحسم رغم مرور سنوات على طرحها.
فالمسافة بين «الوعد» و«الإصلاح الممول» ليست مسألة إرادة سياسية فقط، بل مسألة أرقام دقيقة: من سيستفيد؟ وبأي كلفة؟ ومن أين يأتي التمويل؟
وحين يغيب الجواب عن هذه الأسئلة، يبقى الرقم المعلن، سواء تعلق الأمر بـ3000 درهم للمعاش أو 5000 درهم للأجور أو 1000 درهم للدعم أو مليون منصب شغل، عنوانًا جذابًا أكثر منه التزامًا قابلًا للقياس.
وتظل هذه الوعود مرتبطة بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير الشروط الاقتصادية والمالية والاجتماعية اللازمة لتنفيذها، بدل الاكتفاء بإعلانها في سياق انتخابي.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد صناديق الاقتراع
يبقى المحك الفعلي لهذه الوعود هو ما بعد الحملة الانتخابية لا أثناءها؛ إذ إن تحويل أرقام «3000 درهم» و«5000 درهم» و«1000 درهم» ووعد «المليون منصب» من شعارات إلى التزامات قابلة للتنفيذ يستلزم دراسات علمية واستراتيجية دقيقة تحدد الفئات المستهدفة، والكلفة الإجمالية، ومصادر التمويل وآليات التنفيذ.
وفي غياب هذه المعطيات، يظل السؤال مطروحًا على كل من يرفع هذه الأرقام: هل نحن أمام إصلاحات محسوبة ومدروسة، أم أمام وعود انتخابية تحتاج، بعد الاقتراع، إلى الإجابة عن كلفتها الحقيقية ومصادر تمويلها؟





تعليقات