برنامج العدالة والتنمية في انتخابات 2026.. أرقام البطالة والغلاء والمالية العمومية في صلب الوعود الانتخابية


يضع حزب العدالة والتنمية في برنامجه الانتخابي لانتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في صدارة أولوياته، مقدماً تشخيصاً للوضع المغربي ومقترحات يقول إنها تستهدف استعادة الثقة في المؤسسات، تحسين القدرة الشرائية، مواجهة البطالة، إصلاح التعليم والصحة، وتقوية المالية العمومية.
ويقوم البرنامج على رؤية تعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلب، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز استقلال القضاء والحقوق والحريات واللامركزية.
البطالة.. أرقام ثقيلة في قلب البرنامج
يحتل ملف التشغيل مكانة بارزة في الوثيقة، التي تستند إلى أرقام ومعطيات حول سوق الشغل، من بينها تسجيل معدل بطالة في حدود 13 في المائة سنة 2025.
وتبرز الوثيقة بشكل خاص وضعية الشباب، حيث تشير إلى أن البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة بلغت حوالي 37.2 في المائة، بينما وصلت نسبة البطالة في صفوف النساء إلى نحو 20.5 في المائة.
كما تتحدث عن وجود حوالي 1.19 مليون شخص في وضعية شغل ناقص، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس حجم التحدي الذي يواجه سوق العمل.
ويقترح الحزب، في هذا السياق، وضع سياسة عمومية خاصة بفئة الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من التكوين، المعروفة اختصاراً بـNEET، مع توفير التكوين والمواكبة الاجتماعية والتدريب والفرص المقاولاتية لهذه الفئة.
كما يدعو إلى إعادة تصميم برامج التشغيل وربطها بشكل أكبر بحاجيات سوق الشغل، بدل الاكتفاء ببرامج يعتبرها غير كافية لمعالجة جذور البطالة.
الغلاء والقدرة الشرائية.. مواجهة الضغوط الاقتصادية
يضع البرنامج تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار ضمن أبرز الضغوط التي تواجه الأسر المغربية، إلى جانب البطالة والفقر والهشاشة والفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويعتبر الحزب أن هذه التحديات أصبحت أكثر تعقيداً بفعل التحولات المناخية والجيوسياسية واضطراب سلاسل الإنتاج والتوريد، وما يرتبط بذلك من تحديات للسيادة الغذائية والمائية والطاقية.
وتندرج ضمن هذا التصور مجموعة من المقترحات الرامية إلى حماية القدرة الشرائية، وتقوية المنافسة، ودعم الإنتاج الوطني، وتحسين فعالية السياسات العمومية المرتبطة بالأسعار والأسواق.
المالية العمومية.. ملف يحظى بأهمية استثنائية
من بين أكثر الملفات حضوراً في البرنامج قضية المالية العمومية، إذ يربط الحزب نجاح أي سياسة اجتماعية واقتصادية بقدرة الدولة على توفير التمويل اللازم لها.
ويشدد البرنامج على ضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية، وترشيد الإنفاق، وتحسين المردودية الجبائية، وتعزيز الشفافية والمراقبة، مع التحذير من توسيع اللجوء إلى المديونية دون رؤية واضحة.
ويطرح الحزب كذلك فكرة ربط التمويل بالنتائج والخدمات المقدمة للمواطنين، بدل الاقتصار على تمويل الهياكل الإدارية.
الصحة.. تقوية القطاع العمومي واستدامة التمويل
يحظى قطاع الصحة بمكانة أساسية في البرنامج، الذي يدعو إلى استكمال التغطية الصحية وتقوية الخدمات الصحية العمومية وتحسين الولوج إلى العلاج.
ويقترح البرنامج إصلاح آليات تمويل المنظومة الصحية، بما في ذلك تخصيص موارد ضريبية من بعض المنتجات المضرة بالصحة والبيئة لتمويل الوقاية والعلاج.
كما يدعو إلى إخضاع تحويلات صناديق التأمين ومصاريفها للتدقيق والنشر الدوري، وتحسين تحصيل الاشتراكات ومحاربة الغش، مع توجيه التمويل نحو الخدمات والنتائج وليس فقط نحو النفقات الإدارية.
التعليم.. مواجهة الهدر وإعادة الاعتبار للمدرسة
يضع البرنامج إصلاح التعليم ضمن الملفات الاجتماعية الأساسية، انطلاقاً من تشخيص يعتبر أن جودة التعليم والخدمات العمومية ما تزال تواجه اختلالات، وأن الولوج العادل إلى هذه الخدمات لا يزال تحدياً قائماً.
ويطرح الحزب إصلاحاً يركز على جودة التعليم، تقليص الهدر المدرسي، تحسين التكوين، وربط التعليم والتكوين بحاجيات سوق الشغل.
كما يقترح إدماج التربية على المواطنة والقيم الوطنية في المناهج والبرامج والكتب المدرسية، مع التركيز على احترام القانون والمؤسسات، الحوار، المسؤولية، التضامن وحماية البيئة.
محاربة الفساد.. مواجهة المال الانتخابي وتضارب المصالح
سياسياً، يوجه البرنامج انتقادات قوية لما يعتبره مظاهر فساد وتضارب مصالح واستغلالاً للنفوذ، معتبراً أن هذه الممارسات تؤثر على المنافسة الشريفة وعلى فعالية السياسات العمومية والاقتصاد الوطني.
كما ينتقد ما يصفه بإفساد العملية الانتخابية وانتشار المال الانتخابي، معتبراً أن ذلك يساهم في إنتاج مؤسسات ونخب منتخبة ضعيفة، ويغذي العزوف وفقدان الثقة، خصوصاً لدى الشباب.
ويقترح الحزب تعزيز الرقابة والمساءلة، وتخليق الحياة العامة، وتقوية استقلال القضاء، وتوسيع المشاركة السياسية والمدنية.
اللامركزية.. نقل القرار والموارد إلى الجهات
يدعو البرنامج إلى إعطاء الجماعات الترابية استقلالية فعلية أكبر، سواء على مستوى الاختصاصات أو الموارد المالية والبشرية.
ويقترح ربط هذه الاستقلالية بعقود أهداف ونتائج قابلة للقياس، مع إخضاع المسؤولين للمساءلة وربط الاستمرار في المسؤولية بالنتائج المحققة.
ومن الأفكار اللافتة أيضاً إحداث لوحة قيادة رقمية عمومية لكل مجموعة ترابية، تنشر بشكل دوري مؤشرات حول جودة الخدمات وآجال معالجة الملفات ورضا المواطنين ومستوى تنفيذ الاستثمارات.
الرقمنة.. محاربة البيروقراطية وتسهيل حياة المقاولات
لا يتعامل البرنامج مع الرقمنة باعتبارها مجرد تحديث تقني، بل يجعلها أداة لتغيير علاقة الإدارة بالمواطن والمقاولة.
ومن أبرز المقترحات إحداث شباك رقمي موحد للمقاولات، يجمع خدمات مرتبطة بالضرائب والضمان الاجتماعي والملكية الصناعية وبرامج الدعم.
كما يقترح توفير أدوات لمساعدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الانتقال الرقمي، وتطوير الأمن السيبراني، ورقمنة عدد من الرخص والمساطر والصفقات والعقار والاستثمار.
الأسرة والشباب.. صندوق لتشجيع الزواج وخدمة مدنية تطوعية
يحضر الملف الأسري بقوة في البرنامج، الذي يقترح اعتماد سياسة وطنية مندمجة للأسرة، والحد من الطلاق والعنف والتفكك الأسري، وإطلاق برامج للتأهيل قبل الزواج.
ومن المقترحات المثيرة للاهتمام إحداث صندوق لتشجيع زواج الشباب، إلى جانب تطوير خدمات الوساطة والإرشاد الأسري.
كما يقترح البرنامج إطلاق خدمة مدنية تطوعية للشباب في مجالات محو الأمية، ومساعدة المسنين، والدعم المدرسي، وحماية البيئة والإغاثة والتضامن.
العالم القروي.. تقليص الفوارق المجالية
ويولي البرنامج اهتماماً خاصاً للمناطق القروية والجبلية، من خلال تحسين الطرق والنقل المدرسي والصحي، ودعم الأنشطة المدرة للدخل والتعاونيات، وتطوير السياحة القروية وربط المنتجات المحلية بالأسواق.
كما يقترح تأهيل المراكز القروية الصاعدة عبر تزويدها بالمؤسسات الصحية والتعليمية والإدارية، وربطها بالنقل العمومي والطرق وشبكات الإنترنت.
مغاربة العالم.. رقمنة الخدمات القنصلية
يتضمن البرنامج أيضاً حزمة من المقترحات الخاصة بمغاربة العالم، من بينها استقطاب الكفاءات المغربية بالخارج وإشراكها في إعداد السياسات العمومية، إلى جانب رقمنة الخدمات القنصلية وإحداث منصة رقمية موحدة وشباك رقمي للمساطر الإدارية والقانونية والقضائية.
فلسطين والصحراء المغربية.. ثوابت في السياسة الخارجية
على مستوى السياسة الخارجية، يضع البرنامج الدفاع عن الوحدة الترابية والسيادة الوطنية ضمن أولوياته، ويدعو إلى مواصلة العمل الدبلوماسي بشأن مقترح الحكم الذاتي وربط بعض الشراكات الدولية بمواقف الدول من الوحدة الترابية المغربية.
وفي المقابل، يمنح القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً، مع التأكيد على دعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض أشكال التطبيع مع إسرائيل، والدعوة إلى مواصلة الضغط السياسي والدبلوماسي من أجل وقف الحرب ودعم إقامة الدولة الفلسطينية.
كما يدعو البرنامج إلى تعزيز العمق الإفريقي للمغرب، وتطوير التعاون مع الدول الإفريقية على أساس التنمية والتضامن والمصالح المشتركة.
برنامج انتخابي يراهن على الاقتصاد والديمقراطية
في المحصلة، يقدم حزب العدالة والتنمية برنامجاً انتخابياً يجمع بين الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع تركيز واضح على الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن: الشغل، الأسعار، الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية.
وفي الجانب السياسي، يركز البرنامج على محاربة الفساد والمال الانتخابي وتضارب المصالح، وتقوية المؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما اقتصادياً، فيراهن على دعم المقاولة والإنتاج الوطني والرقمنة والسيادة الغذائية والمائية والطاقية، بالتوازي مع التشديد على ضرورة الحفاظ على توازنات المالية العمومية.
وتأتي هذه التصورات في سياق انتخابي يسبق استحقاقات 23 شتنبر 2026، التي حددتها الحكومة موعداً لانتخاب أعضاء مجلس النواب.
وبذلك يسعى البرنامج إلى تقديم الحزب باعتباره صاحب مشروع يجمع بين استعادة الثقة السياسية، حماية القدرة الشرائية، خلق فرص الشغل، وإصلاح الخدمات العمومية، مع تحويل محاربة الفساد والحكامة والمالية العمومية إلى عناوين مركزية في المعركة الانتخابية المقبلة.





تعليقات