تحديث الجيش المغربي يربك الحسابات الإسبانية.. هل تغيّر ميزان القوة في غرب المتوسط؟


يطرح التحديث المتسارع الذي تشهده القوات المسلحة الملكية المغربية سؤالاً بات يشغل أوساطاً إعلامية وعسكرية في إسبانيا: هل بدأ ميزان القوة التقليدي في غرب المتوسط يتغيّر فعلاً لصالح الرباط؟ فبينما تتجه المملكة المغربية نحو تعزيز قدراتها العسكرية وتنويع شراكاتها الاستراتيجية، بدأت أصوات داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية تتحدث بصراحة متزايدة عن تراجع التفوق الذي طالما تمتعت به مدريد في المنطقة.
وفي مؤشر لافت على حجم هذا الانشغال، تناولت صحيفة «الإسبانيول» سيناريو افتراضياً يتمثل في احتمال إقدام المغرب على عملية عسكرية ضد مدينة سبتة، مستندة إلى تصريحات عدد من كبار الضباط الإسبان المتقاعدين، من بينهم الفريق فرانسيسكو خوسي غان بامبولس، الذي تحدث عن «إسقاط ما يطير وإغراق ما يطفو»، والأميرال خوان رودريغيث غارات، الذي استحضر سيناريوهات المعارك الجوية التي شهدتها مناطق أخرى من العالم. ورغم تأكيد هؤلاء أن هذا السيناريو يظل بعيد الاحتمال، فإن النقاش كشف عن قلق متنامٍ في مدريد إزاء التطور المتسارع للقدرات العسكرية المغربية.
وخلف هذه التصريحات ذات الطابع الردعي، يختبئ نقاش أوسع تعيشه إسبانيا حول التحولات التي طرأت على ميزان القوة العسكري في غرب المتوسط وشمال إفريقيا، خصوصاً مع توالي صفقات التسليح المغربية التي مكّنت الرباط من تعزيز ترسانتها بمعدات وأنظمة حديثة، تشمل مقاتلات ومنظومات دفاع جوي ومدفعية وأنظمة صاروخية، إلى جانب برامج لتطوير قدرات القوات الجوية والبحرية.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن إسبانيا لا تزال تتوفر على قدرات عسكرية متقدمة، من بينها مقاتلات «يوروفايتر» وفرقاطات «إف-100»، ما يجعل الحديث عن أي مواجهة محتملة أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة عددية للعتاد. غير أن ذلك لم يمنع الجنرال فرانسيسكو خوسي داكوبا، الرئيس السابق للمعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية، من الإقرار بأن التفوق التقليدي الذي كانت تحظى به مدريد بات يتراجع أمام أهمية المقتنيات العسكرية المغربية الأخيرة.
واستناداً إلى المصادر ذاتها، فإن هذا التطور لا ينفصل عن السياسة التي انتهجتها الرباط لتوسيع دائرة شراكاتها العسكرية والأمنية، إذ عزّز المغرب تعاونه الدفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما طوّر علاقاته في مجال التكنولوجيا العسكرية مع إسرائيل، بالتزامن مع برامج لتحديث سلاح الجو والبحرية والدفاع الجوي؛ وهو ما تنظر إليه بعض الأوساط الإسبانية باعتباره عاملاً يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة، خصوصاً في ظل موقع المغرب الجغرافي وقربه من جنوب إسبانيا وجزر الكناري ومضيق جبل طارق.
غير أن الحديث عن سباق تسلح أو تغيّر في ميزان القوى لا يعني بالضرورة أن الرباط تتجه نحو خيار عسكري ضد سبتة أو مليلية، فحتى التصريحات العسكرية الإسبانية التي تناولت هذا السيناريو تقرّ بأن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة يظل ضعيفاً للغاية. ويعيد هذا النقاش، مع ذلك، ملف المدينتين إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، بوصفهما إحدى أكثر القضايا حساسية بين البلدين منذ عقود، في ظل تمسك المغرب بموقفه بشأنهما، مقابل تأكيد مدريد أنهما جزء من أراضيها.
ويظل التحول الأبرز الذي تعكسه هذه النقاشات مرتبطاً، لا بإمكانية اندلاع حرب وشيكة، بل بإعادة تقييم تجريه بعض الأوساط الإسبانية لموازين القوة في غرب المتوسط، إذ يواصل المغرب تحديث قواته المسلحة وتوسيع شراكاته الدفاعية، بينما تجد إسبانيا نفسها أمام بيئة استراتيجية تتغيّر تدريجياً، ما يجعل ملف الأمن في المضيق وسبتة ومليلية جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل التوازن العسكري والسياسي بين البلدين.



تعليقات