آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

سبتة ومليلية في قلب التقارب المغربي الإسباني.. هل يصمد التفاهم أمام عقدة المدينتين؟

Banner Narsa

يجد التقارب المغربي الإسباني نفسه أمام اختبار بالغ الحساسية، بعدما عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي. فقد شهدت العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة تحسناً ملحوظاً وتعاوناً متنامياً في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد، غير أن قضية المدينتين تظل من أكثر الملفات قابلية لإعادة إنتاج التوتر، خصوصاً مع تمسك المغرب بموقفه التاريخي بشأن السيادة عليهما، مقابل الرفض الإسباني القاطع لأي نقاش حول هذا الملف.

أزمة الهجرة تعيد سبتة إلى صدارة التوتر بين الرباط ومدريد

كشفت التطورات التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي أن الملفات الحساسة لم تختفِ تحت مظلة التقارب، بل ظلت كامنة وقابلة للانفجار عند أول أزمة. فقد شهدت المدينة تدفقاً جماعياً غير مسبوق للمهاجرين بلغ، بحسب مصادر رسمية إسبانية، نحو 60 ألف عابر خلال أيام قليلة، توفي خلالها ما لا يقل عن 67 شخصاً غرقاً أو أثناء محاولات اجتياز الحواجز الحدودية، فيما عاد أكثر من 48 ألف مهاجر إلى الجانب المغربي. ودفع حجم الأزمة السلطات الإسبانية إلى إعلان حالة طوارئ واستدعاء الجيش لدعم قوات الأمن في ضبط الحدود.

وأثار هذا التدفق الاستثنائي جدلاً واسعاً حول أسبابه ودور شبكات التهريب والتحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي في تنظيمه، كما أثارت تقارير إسبانية لاحقة تساؤلات حول مستوى التساهل الذي أبدته السلطات المغربية خلال الساعات الأولى من الأزمة. غير أن هذه التساؤلات لم ترقَ إلى موقف رسمي إسباني يتهم الحكومة المغربية مباشرة بالتخطيط للعملية، وهو ما يجعل مسألة «هندسة» التدفق أو عفويته قضية خلافية لم تُحسم بعد.

تشدد إسباني بشأن السيادة يضع سقفاً واضحاً للتقارب مع المغرب

وبينما جدد مسؤولون مغاربة تمسكهم بالمطالبة بسبتة ومليلية، برزت في المقابل لهجة إسبانية أكثر تشدداً تجاه أي فكرة للتفاوض حول السيادة. فقد أكدت مدريد مراراً أن المدينتين جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن وحدتها الترابية غير قابلة للتفاوض بأي شكل، في موقف يعكس حدود التقارب السياسي القائم بين البلدين. وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فالتعاون المغربي الإسباني يستطيع أن يتقدم في ملفات عديدة، لكنه يصطدم بسقف واضح كلما تعلق الأمر بالسيادة والحدود.

المصالح الاستراتيجية المشتركة لا تلغي الخلاف حول سبتة ومليلية

لا يمكن قراءة العلاقة بين الرباط ومدريد من زاوية الخلاف وحده، إذ تجمع البلدين مصالح استراتيجية واسعة، من مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة إلى التعاون الاقتصادي والأمني. غير أن قوة هذه المصالح لا تعني بالضرورة اختفاء الخلافات التاريخية والجيوسياسية، بل قد تدفع الطرفين إلى مزيد من الحرص على إدارة التوتر، بدل السماح له بالتحول إلى أزمة شاملة. ويبدو أن الرهان الحالي يتمثل في إبقاء الملفات الخلافية تحت السيطرة، مع مواصلة التعاون في المجالات التي تخدم مصالح الطرفين معاً.

عقدة السيادة تجعل المدينتين أصعب ملفات الشراكة المغربية الإسبانية

تزداد حساسية الملف لأن سبتة ومليلية لا تمثلان مجرد نقطتين حدوديتين، بل ترتبطان مباشرة بمسألة السيادة وبالتصور الجيوسياسي لكل من المغرب وإسبانيا لمحيطهما الإقليمي. فبينما يواصل المغرب طرح القضية ضمن رؤيته التاريخية والجغرافية، تصر مدريد على اعتبار المدينتين جزءاً من التراب الإسباني ومن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل أي تحول محتمل في هذا الملف مرتبطاً بتوازنات أوسع من مجرد العلاقات الثنائية. لذلك فإن استمرار التقارب لا يعني بالضرورة الوصول إلى تسوية بشأن المدينتين، بل قد يعني فقط قدرة الطرفين على الفصل بين الخلافات الاستراتيجية والتعاون العملي اليومي.

استمرار التقارب يظل رهيناً بقدرة الرباط ومدريد على إدارة خلاف السيادة

مع دخول العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة دقيقة، تبدو سبتة ومليلية بمثابة الاختبار الأصعب لمدى قدرة الرباط ومدريد على الحفاظ على شراكة عملية رغم استمرار خلاف جوهري حول السيادة. فقد أظهرت أحداث يوليوز الأخيرة أن أي أزمة حدودية أو موجة هجرة جماعية يمكن أن تعيد الملف إلى الواجهة بسرعة، كما أظهرت في المقابل أن المصالح المشتركة تدفع الطرفين إلى البحث عن قنوات للتهدئة والتنسيق. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يصمد التقارب الحالي أمام ملف لم يتغير جوهره؟ أم ستظل سبتة ومليلية دائماً نقطة الاختبار التي تكشف حدود هذا التقارب؟

Banner Narsa
المقال التالي