آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

من يتحمل مسؤولية الفشل الحكومي؟ تحذيرات من تحويل التوجيهات الملكية إلى غطاء للهروب من المحاسبة

Banner Narsa

حذرت ورقة تحليلية صادرة عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة من استمرار حالة من الالتباس في النقاش العمومي المغربي، معتبرة أن من أبرز أسبابها غياب التمييز الواضح بين التوجيه الاستراتيجي والاختيار الحكومي والتنفيذ الإداري.

وأوضحت الورقة أن استمرار هذا الخلط قد يفتح الباب أمام ممارسات تحول التوجيهات الملكية إلى مبرر لإعفاء الحكومة من مسؤولياتها المرتبطة بالاجتهاد والاختيار وتدبير السياسات العمومية.

توزيع دستوري واضح للاختصاصات

وأشارت الوثيقة إلى أن الدستور المغربي وضع توزيعا واضحا للاختصاصات بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يحدد موقع كل مؤسسة ومسؤولياتها ويضمن استمرارية الدولة.

وفي هذا الإطار، يشكل المجلس الوزاري فضاء للتداول في التوجهات الاستراتيجية وقوانين الإطار، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية ممارسة السلطة التنفيذية، وإعداد السياسات القطاعية وتنفيذها، فضلا عن التزامها ببرنامجها أمام البرلمان.

كما يضطلع البرلمان بمهام التشريع والرقابة، في حين تؤدي الأحزاب السياسية دورا أساسيا في التأطير والمشاركة في ممارسة السلطة.

الأولويات الملكية لا تلغي مسؤولية الحكومة

وأكدت الورقة أن هذا التوزيع الدستوري لا يسمح بإعفاء الحكومة من مسؤولياتها السياسية والتنفيذية.

وأوضحت أن إدراج قضايا مثل إصلاح التعليم، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين الاستثمار ضمن التوجيهات الملكية يجعلها أولويات وطنية، لكنه لا يعني أن تفاصيل تنزيلها تأتي جاهزة أو مكتملة.

وتظل مسؤولية الحكومة والمؤسسات المختصة قائمة في تحديد الأدوات والميزانيات والآجال، ووضع مؤشرات لقياس النتائج، وضمان التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات.

من يتحمل مسؤولية فشل البرامج؟

وشددت الدراسة على أن أي تعثر في تنفيذ مشروع أو برنامج عمومي يستوجب تقييم طريقة تصميمه وتنفيذه والقيادة الحكومية المشرفة عليه.

وترى الورقة أن الاكتفاء بالتأكيد على سلامة التوجه الاستراتيجي لا ينبغي أن يحجب مسؤولية الجهات التي تولت تحويل ذلك التوجه إلى سياسات وبرامج وإجراءات عملية.

أحزاب تكتفي بـ«الانخراط» في الأوراش الملكية

وسجلت الورقة وجود ممارسة سلبية داخل جزء من المشهد الحزبي، تتمثل في التعامل مع التوجيهات الملكية كما لو أنها برامج تنفيذية مكتملة.

وترى أن هذا السلوك يدفع بعض الأحزاب إلى لعب دور المفسر أو المؤيد، بدل تقديم نفسها باعتبارها قوة سياسية قادرة على إنتاج السياسات والبدائل.

وأبرزت أن عددا من البرامج والخطابات الحزبية يركز على إعلان الانخراط في الأوراش الملكية، دون توضيح ما أضافه الحزب من مقترحات، أو الاختيارات التي اقترحها، أو النتائج التي يتحمل مسؤوليتها السياسية.

الانتخابات في مواجهة خطر فقدان التنافس

وحسب التحليل ذاته، فإن استمرار هذا النهج يؤدي تدريجيا إلى تراجع الفوارق بين الأحزاب السياسية، وتحويل التنافس الانتخابي إلى منافسة حول كيفية إدارة التوجهات نفسها، وبالأدوات والخطابات ذاتها.

وترى الورقة أن ذلك يضعف الوظيفة الأساسية للانتخابات، والمتمثلة في تمكين المواطنين من المفاضلة بين برامج واختيارات سياسية مختلفة.

الحكومة والمسؤولية السياسية

وتشير الورقة إلى أن الخلط بين التوجيه الاستراتيجي والقرار الحكومي يمنح الحكومة إمكانية إرجاع بعض قراراتها إلى مرجعية أعلى، بدل الدفاع عنها باعتبارها اختيارات سياسية تتحمل مسؤوليتها أمام البرلمان والرأي العام.

كما أن هذا الوضع يجعل تحديد المسؤولية عند تعثر السياسات العمومية أكثر صعوبة، خصوصا عندما تتداخل مستويات القرار والتخطيط والتنفيذ.

ليس كل قرار حكومي توجيها ملكيا

وتابعت الورقة التأكيد على أن القرارات الحكومية ليست كلها تطبيقا مباشرا لتوجيه صادر عن أعلى مؤسسات الدولة، كما أن التعيينات الإدارية لا تعكس بالضرورة اختيارا مؤسساتيا مركزيا.

وشددت على أن كل تعثر في مشروع عمومي لا ينبغي أن يصعد آليا إلى أعلى هرم الدولة، في ظل وجود قوانين ومؤسسات وإدارات تمتلك صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار والتنفيذ.

إشكالية المحاسبة وتحديد المسؤوليات

وحذرت الدراسة من أن إنكار هذه الحقيقة المؤسساتية قد يؤدي إلى إضعاف أدوار المؤسسات الدستورية، وتحويلها في نظر الرأي العام إلى مجرد واجهات تنفيذية.

وبحسب الورقة، فإن استمرار هذا الوضع قد يجعل أعلى مؤسسات الدولة الجهة الوحيدة التي ينتظر منها المواطن تقديم الحلول والتفسيرات بشأن مختلف الاختلالات، بينما تتراجع مسؤولية المؤسسات والجهات التي تمتلك فعليا صلاحيات القرار والتنفيذ.

وتطرح هذه الخلاصات، في نهاية المطاف، سؤالا أساسيا حول قدرة الممارسة السياسية والحزبية في المغرب على استعادة التمييز بين تحديد الأولويات الاستراتيجية، واتخاذ القرار السياسي، وتحمل مسؤولية التنفيذ، بما يعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية والمحاسبة وربطهما بالجهة التي تمتلك فعليا صلاحية القرار والتنفيذ.

Banner Narsa
المقال التالي