قراءة في البرامج الانتخابية لأحزاب التحالف الحكومي


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، شرعت الأحزاب في عرض برامجها الانتخابية. وكانت أحزاب التحالف الحكومي من بين الأحزاب الأولى التي عرضت برنامجها. فكيف يمكننا قراءة هذه البرامج الانتخابية لأحزاب التحالف الحكومي؟
من منظور ديمقراطي وممارسة سياسية مسؤولة وحكيمة، كان يجب على أحزاب التحالف الحكومي تقديم حصيلتها الحكومية أولا قبل تقديم أي وعود انتخابية جديدة. وتقوم في عرض حصيلتهابتحديد الإنجازات والاخفاقات بكل جرأة وشفافية، ثم بعد ذلك يمكنها عرض برنامجها الجديد. لكننا عكس ذلك، نجذ الأحزاب الثلاثة تهرب إلى الأمام وتقدم برنامجا جديدا وتُطلق وعودا جديدة، وكأنها لم تكن في الحكومة طيلة خمس سنوات الماضية.
إننا أمام أزمة ثقة تضع مصداقة هذه الأحزاب الثلاثة على المحك. كما تجعل المواطن يشك في وعودها الجديدة.
من ناحية الشكل، كل حزب اعتمد منهجية مخالفة لباقي الأحزاب المتحالفة من حيث تقسيم الأفكار وتبويب المقترحات. فحزب الأحرار تحدث عن 12 إجراء تحت مسميات “درع اجتماعي” “درع الادخار” “درع التعليم”…. وفي الوقت الذي فضل فيه حزب الأصالة والمعاصرة تقديم برنامجه على شكل 5 مواثيق و 20 التزاما، اختار حزب الاستقلال عرض برنامجه وفق خمسة محاور تتعلق بمنظومة القيم المرتبطة بالتماسك الأسري-محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح – تحسين القدرة الشرائية للأسر وتقوية الطبقة الوسطى-دعم وتقوية أدوار المرفق العمومي وأخيرا محور السيادة الاستراتيجية.
كل حزب جعل لبرنامجه الانتخابي شعارا للترويج الإعلامي. فإذا كان حزب الاستقلال اختار شعار “وطني مستقبلي”، فإن حزب الأحرار اختار شعار “كرامة وفرص للجميع”. في حين اختار حزب الأصالة والمعاصرة شعار “من أجل تغيير المسار” علما أن فيه إيحاء لشعار مسار الثقة الذي تبناه حليفه الحكومي حزب الأحرار. فهل يريد حزب التراكتور أخذ مسافة من حكومة أخنوش التي كان يساهم فيها ويدعمها طيلة الولاية التشريعية.
أغرب ما جاء في برنامج حزب الأحرار، إعادة وعده في انتخابات 2021 حين تعهد بإحداث مليون منصب شغل ولم يحقق منها سوى 94000 منصب شغل أي أقل من 10% من الرقم الذي تعهد به. ودون إبراز أسباب هذا الإخفاق البين، يتعهد حزب الحمامة من جديد بمليون منصب شغل. فكيف يريد الحزب من الناخبين تصديقه؟
لكن حزب الحمامة ذهب إلى أبعد من ذلك، حين تعهد بفتح سوق الكهرباء المرتبطة بالجهد المتوسط وتطوير الغاز المسال وسلسلة الهدروجين الأخضر من أجل تعزيز السيادة الطاقية. لكن محنة المغاربة مع “الفراقشية” الذين حرموهم من عيد الأضحى في 2025 وتسببوا في غلاء غير مسبوق للحوم، سيجعل هذا الاقتراح مرتبطا في ذهن الناخب بمحاولة حزب أخنوش، خلق جيل جديد من “الفراقشية” اسمه “فراقشية الطاقة” ينضاف إلى “فراقشية الأغنام”. أو بلغة الجيل الرقمي فراقشية2.0.
يبدو أن برنامج الأحرار فاقد للمصداقية حين يحاول التلاعب بالأرقام. فالسيد والي بنك المغرب تحدث عن نسبة البطالة محددة في 13،6% أمام أنظار جلالة الملك. في حين يعتمد برنامج الأحرار نسبة 10،8% وهي لعبة مكشوفة يعرفها القاصي والداني. يحدث هذا في وقت يتحدث فيه برنامج حليفه في الحكومة حزب الأصالة والمعاصرة، عن نسبة البطالة في صفوف الفئة العمرية 15-24 تبلغ 29،2% ، لكن المفارقة الغريبة هو حديثه عن نسبة 10،8% كمعدل للبطالة وكأنه يريد استغلال هذا الرقم لأنه شريك في الحكومة، في وقت يعترف فيه حزب التراكتور بأرقام أخرى مثل 300 ألف طفل يغادر سنويا مقاعد الدراسة، ورقم 2،9 مليون شاب خارج الدراسة والتكوين والشغل، وهي أرقام من إنجاز حكومة أخنوش وحليفه الأصالة والمعاصرة.
وما تثير في برنامج الحمامة هو اعترافه الضمني بفشل المشاريع التي جاء بها لرئاسة حكومة 2021 خاصة مشروع فرصة وانطلاقة وأوراش. فلو نجحت هذه المشاريع لوجدناها في برنامجه الحالي، ولقام بالترويج لنسختها الثانية في برنامجه الخالي.
لكن يبدو أن دار لقمان بقيت على حالها. ففي انتخابات 2021، أطرب حزب السيد أخنوش أذن المغاربة بمشاريع تحمل مسميات تطرب الآذان من قبيل “أوراش” “فرصة” “دخل الكرامة”. وفي برنامجه الحالي نسمع كذلك عن برامج بعناوين موسيقية لا تحتاج سوى ملحن للتوزيع الموسيقي. هكذا نجد مشاريع بمسميات “درع الادخار” “ادخار الاحتياط “ادخار المستقبل” “درع اجتماعي”…
حزب الحمامة يُقر في برنامجه تسببه في غلاء المعيشة حين صرحت عضو مكتبه السياسي ووزيرة المالية نادية فتاح العلوي، أمام المشاركين في تجمع بفاس، أن أول إجراء في البرنامج هو “درع اجتماعي لمواجهة غلاء المعيشة” كما جاء على لسان المتحدثة. عوض هذا الإقرار المبطن بفشل الحزب في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، كان عليه التحلي بالمسؤولية السياسية وباحترام تعاقده السابق مع الناخبين خلال اقتراع 2021، أن يبرز أسباب هذا الغلاء مع إعطاء حلوله لمعالجتها.
وأغرب ما نجده في برنامج حزب الاستقلال، هو اقتراحه تقوية آليات الإثراء غير المشروع. علما أن أول شيء قام به التحالف الحكومي، ومن ضمنهم حزب الاستقلال، هو سحب مشروع الإثراء غير المشروع من البرلمان،الذي تركته الحكومة السابقة للمصادقة عليه في البرلمان. فكيف يمكننا فهم هذا الاقتراح من حزب علال الفاسي؟ أضف إلى ذلك اقتراحه إخراج قانون تضارب المصالح، وهو الذي شارك في حكومة تتمتع بقسط وافر من تضارب المصالح، بل يصفق نوابه في البرلمان ويصوتون على كل مشروع قانون تأتي به الحكومة ولو كانت فيه رائحة تضارب المصالح.
يبدو أن برامج أحزاب التحالف الحكومي، تتقاطع في بعض المقترحات التي كانت موضع نقاش داخل دواليب الحكومة، ومن ذلك تشجيع المواطن على استعمال الألواح الشمسية مع إمكانية بيع الفائض. وهو الاقتراح الذي نجده في برنامج حزب الاستقلال وكذلك حزب الأحرار وإن بصيغ مختلفة ظاهريا. نذكر كذلك ربط الدعم المباشر بارتفاع التضخم وهو ما نجده كذلك في برنامج الميزان والحمامة والتراكتور.
بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، يبدو أنه أراد إعادة تجربة حزب الحمامة في الانتخابات السابقة. ففي تشريعيات 2021، اختار حزب أخنوش تقديم برنامجه على شكل أرقام مضبوطة وواضحة، والكل يتذكر عبارة “جريوا علينا بالحجر”.
هذا ما نجده في برنامج حزب التراكتور الذي يعد الناخبين بحد أدنى للمعاش محدد في 3000 درهم، حد أدنى من الدعم الاجتماعي لا يقل عن 1000 درهم، تخفيض الضريبة على الدخل للموظفين وتحديدها في 3 أشطر بدل 6 المعمول بها حاليا وهي: 0% بالنسبة للأجر الخام أقل من 15000 درهم أي 12500 درهم كأجر صافي-10% بخصوص شطر 15000 و46000-20% لأكثر من 46000 بدل 37%. هذا بالإضافة إلى 5000 أسرة تستفيد من سكن لائق خلال الولاية الخماسية، وخلق مليون منصب شغل صاف على الأقل مع تحديد 40000 منصب في المجال الرياضي وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام بالنسبة للمتخصصين في العلوم الاقتصادية. فمناصب الشغل تتوزع بين قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات. فأين يمكننا تصنيف مناصب الشغل في المجال الرياضي؟ على أي نتمنى أن تكون تلك المناصب من بركات “سيدنا الشيخ” المونديال.
وتتجلى التوتة فوق حلوى التراكتور في رقم 350 مليار درهم ككلفة إضافية تراكمية لبرنامجه الانتخابي، أي بمعدل 70 مليار درهم خلال الولاية الخماسية. ويبقى السؤال: من أين سيتم تمويل هذه الأرقام التي أتى بها برنامج حزب الأصالة والمعاصرة؟ هل باستطاعة التراكتور خلق الثروة لتنمية الموارد وتمويل الأرقام الفلكية الواردة في برنامجه؟ أم أننا سنعيد حكاية “جريوا علينا بالحجر” لتبقى آلام المواطنين وتطلعاتهم معلقة إلى حين تحمل المسؤولية الحكومية من قبل حزب ينجح في الانتخابات بدون توزيع الأموال ولا اللعب بالأرقام، في انتخابات نزيهة وشفافة؟
سعيد الغماز-كاتب وباحث





تعليقات