آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

“حرب القريبات” تهز الأحرار.. مرشحون يريدون بناتهم على رأس اللوائح وأخنوش أمام مأزق حقيقي

Banner Narsa

قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية، لا يبدو أن معركة التزكيات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار قد انتهت بعد. فخلف الأبواب المغلقة، تبرز خلافات مرتبطة بتشكيل اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، وسط حديث عن ضغوط يمارسها عدد من المرشحين من أجل الدفع بقريبات لهم إلى واجهة هذه اللوائح.

وتزداد حساسية الملف بالنسبة إلى الحزب الذي يقود الائتلاف الحكومي، خصوصاً بعدما باتت التزكيات الانتخابية تكشف، في نظر منتقدين، إشكالية أكبر تتعلق بطبيعة النخب التي جرى استقطابها خلال السنوات الماضية، ومدى حضور الاعتبارات السياسية والكفاءة والارتباط بالمشروع الحزبي في مقابل الحسابات الشخصية والعائلية.

وبحسب معطيات متداولة، حُسم إلى حدود الآن في ثلاث وكيلات للوائح الجهوية النسائية للحزب، ويتعلق الأمر باعتماد الزهيدي بجهة الرباط سلا القنيطرة، وزكية الدريوش بجهة سوس ماسة، ونبيلة الرميلي بجهة الدار البيضاء سطات، بينما لا تزال أسماء باقي الجهات موضوع شد وجذب داخل الحزب.

عندما تصبح التزكية قضية عائلية

المثير في هذه القضية ليس فقط تأخر الإعلان عن باقي الأسماء، وإنما ما تكشفه المعطيات المتداولة عن طبيعة الضغوط التي تواجهها قيادة الحزب.

فوفق مصادر إعلامية، يرغب عدد من المرشحين في الدوائر المحلية في الدفع بقريبات لهم لتصدر اللوائح الجهوية النسائية، الأمر الذي جعل قيادة الحزب تتعامل بحذر مع الملف، خشية أن تتحول الخلافات حول الأسماء إلى انسحابات أو انتقالات نحو أحزاب منافسة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل أصبحت بعض التزكيات الانتخابية امتداداً للنفوذ الشخصي والعائلي بدل أن تكون نتيجة لمسار نضالي أو سياسي وكفاءة انتخابية؟

السؤال لا يستهدف النساء المرشحات في حد ذاته، فالمشكلة ليست في كون المرشحة زوجة أو ابنة أو قريبة لسياسي، وإنما في المعيار الذي تُمنح على أساسه التزكية.

فإذا كانت الكفاءة والحضور السياسي والنضالي هي المعايير، فلا مشكلة في أن تكون المرشحة قريبة لمسؤول أو منتخب. أما إذا تحولت القرابة إلى جواز عبور نحو مواقع انتخابية، فإن الأمر يفتح الباب أمام انتقادات جدية حول طبيعة الممارسة السياسية.

مبارك حمية.. نموذج يكشف الجانب الأكثر إحراجاً

ولعل أكثر الوقائع دلالة في هذا السياق هي حالة مبارك حمية بجهة الداخلة وادي الذهب.

فبحسب ما أوردته مصادر إعلامية، غادر حمية حزب التجمع الوطني للأحرار والتحق بحزب الأصالة والمعاصرة بعدما لم تتم الاستجابة لمطلب ترشيح ابنته وكيلة للائحة الجهوية. كما أشارت المعطيات نفسها إلى أن قيادة الأحرار تخشى تكرار هذه الحالة مع مرشحين آخرين قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

وهنا تظهر المفارقة السياسية التي تستحق التوقف عندها.

إذا كان سياسي يغير انتماءه الحزبي وينتقل من حزب إلى آخر بسبب عدم تزكية ابنته، فإن السؤال المشروع يصبح: أين تنتهي القناعة السياسية وتبدأ المصلحة الانتخابية الشخصية؟

فالانتماء إلى حزب سياسي يفترض، من حيث المبدأ، أن يرتبط بمشروع وبرنامج ومبادئ واختيارات سياسية، وليس فقط بموقع في لائحة انتخابية أو بمقعد يمكن أن تحصل عليه شخصية مقربة.

وحالة حمية، إذا صحت المعطيات المتداولة بشأن دوافع مغادرته، تقدم صورة شديدة الدلالة عن أزمة أوسع: ماذا يحدث عندما يصبح الحصول على التزكية أهم من الانتماء السياسي نفسه؟

الأحرار ومسؤولية استقطاب هذه النخب

هنا لا يمكن تحميل المسؤولية للمرشحين وحدهم.

فحزب التجمع الوطني للأحرار هو الذي فتح أبوابه خلال السنوات الماضية أمام عدد كبير من السياسيين والمنتخبين، واستقطب أسماء من مشارب سياسية مختلفة، في إطار سعيه إلى توسيع حضوره الانتخابي.

وهذا الاستقطاب قد يكون مفهوماً من الناحية الانتخابية، لكنه يفرض اليوم على قيادة الحزب سؤالاً صعباً: ما نوع النخب التي تم استقطابها؟

هل كان الهدف بناء تنظيم سياسي يقوم على الكفاءة والتدرج والنضال الحزبي والاقتناع بالمشروع؟ أم أن الأولوية كانت دائماً للوزن الانتخابي والقدرة على جلب الأصوات؟

لأن الحزب عندما يستقطب منتخباً أو سياسياً فقط لأنه قادر على تحقيق نتيجة انتخابية، فإنه قد يجد نفسه لاحقاً أمام منطق سياسي مختلف: منطق يقوم على المساومة حول المواقع والتزكيات والمصالح الشخصية.

وبالتالي، فإن أزمة اللوائح الجهوية الحالية ليست بالضرورة أزمة أسماء فقط، وإنما قد تكون نتيجة طبيعية لطريقة تدبير الحقل السياسي نفسها.

من «الاستقطاب» إلى «الابتزاز الانتخابي»؟

الأكثر إثارة للقلق هو أن يصبح الانتقال بين الأحزاب وسيلة للضغط من أجل الحصول على تزكية.

فإذا كان مرشح مستعداً لمغادرة حزب والالتحاق بآخر لأن ابنته لم تحصل على موقع انتخابي، فإن الرسالة التي يمكن أن تصل إلى باقي المرشحين واضحة: التزكية ليست فقط استحقاقاً حزبياً، بل يمكن أن تتحول إلى ورقة تفاوض ووسيلة ضغط.

وهنا تصبح قيادة الحزب أمام معادلة صعبة.

إذا رفضت مطالب بعض المرشحين، تخشى انتقالهم إلى أحزاب منافسة.

وإذا استجابت لهذه المطالب، فإنها قد تعطي الانطباع بأن الضغوط الشخصية والعائلية قادرة على فرض نفسها على القرار الحزبي.

وفي الحالتين، فإن الحزب مطالب بتقديم تفسير واضح للرأي العام حول المعايير التي يعتمدها في اختيار مرشحيه.

المرأة ليست المشكلة.. المشكلة في معيار الاختيار

ومن المهم هنا عدم اختزال النقاش في ترشيح النساء.

فتمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة مسألة ضرورية، لكن ضمان حضور المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتمرير منطق المحاباة أو القرابة.

المرأة التي تصل إلى البرلمان بسبب كفاءتها ونضالها السياسي وحضورها المجتمعي تستحق الاحترام والدعم، تماماً كما يستحقه الرجل.

أما أن تصبح اللوائح النسائية مجالاً لصراع بعض المنتخبين من أجل إدخال زوجاتهم أو بناتهم أو قريباتهم، فذلك يفرغ فكرة التمثيلية النسائية من جزء مهم من مضمونها السياسي.

أخنوش أمام اختبار حقيقي

المعطيات المتداولة تفيد بأن الرئيس السابق للحزب عزيز أخنوش يتابع شخصياً ملف التزكيات، في محاولة للحفاظ على تماسك الحزب ومنع انتقال مرشحين إلى أحزاب منافسة خلال الأيام الأخيرة التي تسبق الحملة الانتخابية.

لكن التحدي أمام قيادة الحزب لا يتعلق فقط بإغلاق باب الانسحابات.

التحدي الحقيقي هو وضع قواعد واضحة تجعل التزكية نتيجة لمعايير معلنة، لا نتيجة لقوة المرشح داخل الحزب أو قدرته على التهديد بالرحيل أو فرض قريبته.

فالحزب الذي يقود الحكومة مطالب بأن يقدم نموذجاً مختلفاً في تدبير العمل السياسي، لا أن يبدو وكأنه يواجه في كل محطة معركة حول المواقع والمقاعد.

وفي النهاية، فإن قصة مبارك حمية، كما ترويها المعطيات المتداولة، تطرح سؤالاً أكبر من مجرد تزكية ابنة سياسي: إذا كان تغيير الحزب يمكن أن يحدث بسبب عدم الحصول على موقع انتخابي لقريبة، فما الذي بقي من معنى الالتزام الحزبي؟

ذلك هو السؤال الذي سيظل مطروحاً أمام التجمع الوطني للأحرار، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية: هل نحن أمام أحزاب ذات مشاريع سياسية ونخب مؤمنة بها، أم أمام تحالفات انتخابية مؤقتة يجمعها البحث عن التزكيات والمواقع والنفوذ؟

Banner Narsa
المقال التالي