الصيد مقابل الأصوات والتمويل؟.. معطيات خطيرة تضع زكية الدريوش و”الأحرار” في قلب فضيحة انتخابية بسوس


تتجه الأنظار في جهة سوس ماسة إلى ملف الصيد البحري، بعدما بدأت تتداول معطيات وشبهات تتجاوز بكثير مسألة تدبير نشاط الصيد أو القرارات المرتبطة بالمواسم البيولوجية، لتلامس سؤالاً أكثر حساسية يتعلق بالعلاقة المفترضة بين النفوذ الاقتصادي والقرار الإداري والاستحقاق الانتخابي.
القضية تكتسب حساسية أكبر في ظل اقتراب الانتخابات التشريعية، وفي وقت اختار فيه التجمع الوطني للأحرار تقديم زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، كوكيلة للائحة الجهوية للنساء بجهة سوس ماسة.
وتقول مصادر خاصة إن ترشيح الدريوش في الجهة، رغم عدم انتمائها الترابي إليها بحسب هذه المصادر، فتح منذ البداية نقاشاً حول قدرتها على بناء شبكة انتخابية محلية، خصوصاً داخل القطاعات المهنية التي تملك وزناً اقتصادياً وانتخابياً كبيراً.
لكن الأخطر، وفق المعطيات التي قدمتها المصادر نفسها، هو حديثها عن دخول بعض كبار مهنيي الصيد في أعالي البحار على خط الحملة الانتخابية، وما تصفه المصادر بتفاهمات مرتبطة بالدعم الانتخابي في مقابل قرارات تخدم مصالح لوبيات مهنية بعينها.
من الصيد إلى الانتخابات.. أين تنتهي المصلحة المهنية ويبدأ النفوذ السياسي؟
بحسب المصادر التي تحدثت إلينا، فإن بعض أرباب سفن الصيد في أعالي البحار، والذين يمثلون جزءاً من القوة الاقتصادية المؤثرة داخل قطاع الصيد بالجهة، دخلوا في اتصالات مرتبطة بالحملة الانتخابية للدريوش.
وتذهب هذه المصادر إلى أن الحديث لم يكن، حسب روايتها، عن دعم سياسي عادي، وإنما عن التزام مفترض بتمويل الحملة الانتخابية، مقابل قرارات وتسهيلات في مجال الصيد.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن الأمر شمل، وفق رواية المصادر، السماح بممارسة الصيد في مناطق قريبة من الساحل، إلى جانب استعمال معدات صيد تقول المصادر إنها غير قانونية.
كما تتحدث المصادر عن تغييرات متتالية في المسافات المسموح فيها بالصيد، بدأت، حسب روايتها، عند حدود 20 ميلاً، قبل أن يتم الانتقال إلى مسافة 18 ميلاً، ثم إلى مسافات أقرب.
وهنا بالضبط تبرز الأسئلة الأصعب:
لماذا تغيرت شروط ممارسة النشاط؟
ومن المستفيد فعلياً من هذه القرارات؟
وما الأساس القانوني والتقني الذي استندت إليه؟
وهل يتعلق الأمر بقرارات مرتبطة حصراً بتدبير الثروة السمكية، أم أن هناك اعتبارات أخرى دخلت على خط صناعة القرار؟
“البحارة سيصوتون”.. أخطر ما تتحدث عنه المصادر
الأكثر حساسية في الرواية التي قدمتها مصادرنا هو حديثها عن وعد مفترض بتعبئة البحارة والمهنيين العاملين على متن السفن التابعة للمستفيدين للتصويت لصالح الدريوش وحزبها.
وهذا، إن ثبتت صحته، ينقل القضية من مجرد خلاف مهني حول تدبير قطاع الصيد إلى ملف سياسي وأخلاقي وقانوني بالغ الخطورة.
فالتصويت في الانتخابات يفترض أن يكون اختياراً حراً ومستقلاً، وليس نتيجة تفاهمات بين المال والنفوذ والامتيازات.
كما أن تحويل قطاع اقتصادي كامل إلى قاعدة انتخابية لفائدة مرشح أو حزب سيكون، في حال ثبوته، سابقة تستوجب الوقوف عندها بكل جدية.
والأخطر من ذلك أن تتحول القرارات الإدارية المرتبطة بثروة عمومية إلى أداة لبناء النفوذ الانتخابي.
المحرشي يفتح الباب أمام الأسئلة الثقيلة
هذه المعطيات تأتي بالتزامن مع تصريحات أدلى بها العربي المحرشي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، طالب فيها بفتح تحقيق بشأن قرارات مرتبطة بنشاط الصيد خلال فترة الراحة البيولوجية.
المحرشي لم يكتفِ بالحديث عن تدبير القطاع، بل أثار أيضاً احتمال وجود علاقة بين المستفيدين من القرارات وبين تمويل الحملة الانتخابية، معتبراً أن الأمر سيكون “كارثة عظمى” إذا ثبت وجود تراخيص مقابل دعم مالي انتخابي.
وبغض النظر عن الخلفية السياسية للمحرشي، فإن خطورة ما قاله تكمن في أنه يضع أمام المؤسسات سؤالاً واضحاً: هل هناك فعلاً علاقة بين القرارات المتخذة في قطاع الصيد وبين الاستحقاق الانتخابي؟
وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن التحقيق وحده قادر على تبديد هذه الشبهات.
أما إذا كانت هناك معطيات أو وثائق تثبت وجود ارتباط بين المال الانتخابي والقرارات الإدارية، فإن الأمر لن يكون مجرد قضية انتخابية عابرة، بل قضية تتعلق بكيفية تدبير ثروة عمومية وبحدود الفصل بين المسؤولية الحكومية والمصلحة الحزبية.
سوس ماسة ليست مزرعة انتخابية لأحد
المشكلة السياسية التي تطرحها هذه القضية لا تتعلق فقط بشخص زكية الدريوش أو بحزب التجمع الوطني للأحرار.
إنها تتعلق بصورة أوسع بكيفية تعامل الأحزاب مع الجهات، وبمدى احترام الناخبين المحليين، وبالسؤال حول ما إذا كانت بعض الترشيحات تُبنى على الكفاءة والارتباط الحقيقي بالمنطقة، أم على حسابات انتخابية وموازين قوة وشبكات مصالح.
وإذا كان الحزب قد اختار الدريوش لتمثيله في اللائحة الجهوية بجهة سوس ماسة، فإن ذلك حق سياسي لا ينازع فيه أحد.
لكن هذا الحق لا يمنح، في المقابل، أي مسؤول أو مرشح حصانة من الأسئلة.
فالمواطن السوسي من حقه أن يعرف: من يمول الحملات الانتخابية؟ ومن يقدم الدعم؟ وما طبيعة العلاقة بين المرشحين وكبار الفاعلين الاقتصاديين؟ وهل تُتخذ القرارات الحكومية وفق اعتبارات المصلحة العامة وحدها؟
الثروة السمكية ليست ورقة انتخابية
الثروة البحرية ملك للمغاربة، وتدبيرها يفترض أن يخضع للقانون وللمصلحة العامة وللضوابط العلمية والبيئية.
ولهذا فإن أي حديث عن استعمال القرارات المتعلقة بالصيد لخدمة مصالح انتخابية أو مالية خاصة، إذا ثبت، سيكون أخطر بكثير من مجرد خلاف حول مسافة الصيد أو نوع الشباك المستعملة.
لأن القضية عندها ستصبح مرتبطة بسؤال جوهري:
هل يمكن أن تتحول السلطة الإدارية على قطاع اقتصادي حيوي إلى وسيلة لبناء رصيد انتخابي؟
هذا السؤال لا ينبغي أن تجيب عنه الأحزاب ولا الحملات الانتخابية، وإنما الوثائق والقرارات الرسمية والتحقيقات المستقلة.
الدريوش والأحرار أمام امتحان الشفافية
في مواجهة هذه المعطيات، لا يكفي الصمت.
فالحديث عن تمويل انتخابي مفترض، وعن وعود بتعبئة أصوات البحارة، وعن قرارات يستفيد منها فاعلون اقتصاديون في قطاع الصيد، يستوجب توضيحاً رسمياً ودقيقاً.





تعليقات