لقجع أمام سؤال المسؤولية.. هل كان وزير الميزانية خارج دائرة القرار في ملف «دعم الفراقشية»؟


أعاد فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية، المكلف بالميزانية، ملف دعم استيراد الأغنام إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما اختار، خلال لقاء حزبي نظّمه حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم بركان، الأمس، الرد على الانتقادات الموجهة إليه بسؤال استنكاري: «هل كنتُ طرفاً لكي أستورد الخرفان؟». ويأتي هذا التصريح في وقت لا يزال فيه الجدل قائماً حول طبيعة المسؤوليات الحكومية المرتبطة بالاستيراد والدعم، وحول النتائج التي أفرزتها هذه السياسة.
«هل أنا من كنت أستورد الخرفان؟» تفتح باباً أوسع
السؤال الذي طرحه لقجع قد يبدو، في ظاهره، محاولة لتوضيح حدود اختصاصه، غير أنه يفتح، في المقابل، نقاشاً أوسع حول طبيعة توزيع المسؤولية داخل الحكومة. فملف استيراد الأغنام لم يكن إجراءً معزولاً عن القرار المالي، بل ارتبط بدعم مباشر وإعفاءات جمركية وضريبية وتدابير حكومية استهدفت توفير العرض في السوق، وهو ما يجعل تحديد المسؤوليات أكثر تعقيداً من اختزالها في الجهة التي تولت الاستيراد فعلياً.
الميزانية ليست مجرد خزينة للصرف
وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية في خطاب لقجع؛ فالوزير المكلف بالميزانية لا يتولى تربية الأغنام ولا استيرادها، غير أن اختصاصاته لا تقف عند حدود توفير الاعتمادات المالية. وتشير المعطيات المتداولة حول الملف إلى أن مديرية الميزانية تساهم في تحديد السياسات ذات الكلفة على المالية العمومية، وفي إعداد توقعات النفقات وتتبعها، ودراسة الإجراءات التي تترتب عنها آثار مالية. لذلك، فإن القول بأن دور الميزانية يقتصر على «رصد الاعتمادات» لا يُسقط تلقائياً المسؤولية المرتبطة بالشق المالي من القرار.
قرار الدعم كان حكومياً ولم يكن قراراً فردياً
والأكثر دلالة أن إجراءات دعم استيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 أُطّرت بقرار وزاري مشترك بين وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ما يعني أن الملف جاء ثمرة تنسيق بين أكثر من قطاع حكومي، لا قراراً منفرداً لوزارة واحدة. وهذا المعطى يجعل تحميل لقجع وحده مسؤولية الملف أمراً غير دقيق، لكنه، في الوقت نفسه، يجعل إخراجه بالكامل من دائرة المسؤولية المالية والسياسية أمراً يحتاج إلى تفسير مؤسساتي أوضح.
500 درهم للرأس.. واعتراف سابق بأن الدعم لم يحقق النتيجة
والمفارقة أن لقجع نفسه سبق أن أقرّ، يوم 31 أكتوبر 2024، أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025، بأن الدعم المخصص لاستيراد الأغنام، والمحدد في 500 درهم للرأس، لم يحقق النتيجة المرجوة، وهو ما دفع الحكومة لاحقاً إلى التخلي عن هذه الصيغة والتوجه نحو دعم المربين وإعادة تكوين القطيع الوطني. ويمنح هذا التصريح السابق الملف بُعداً إضافياً، ذلك أن الاعتراف بعدم بلوغ الإجراء أهدافه يطرح تلقائياً سؤال تقييم القرار، وآليات تتبع أثر الإنفاق العمومي، والجهة المسؤولة عن تصحيح المسار.
437 مليون درهم تعيد سؤال «من يتحمل المسؤولية؟»
وتكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة أن الدعم المباشر لاستيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 بلغ نحو 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، مقابل استيراد ما يقارب 875 ألف رأس، بواقع 386 ألفاً سنة 2023 و489 ألفاً سنة 2024، واستفادة 156 مستورداً من العملية، بواقع 61 مستورداً سنة 2023 و95 مستورداً سنة 2024. وبمجرد وضع هذه الأرقام على الطاولة، يتحول النقاش من مجرد سجال سياسي إلى سؤال يتعلق بكيفية تدبير المال العام وقياس مردودية الإجراءات التي مولتها الدولة.
من «دعم الفراقشية» إلى مسؤولية القرار
لهذا، فإن الجدل حول ما بات يُعرف شعبياً بـ«دعم الفراقشية» لا يتعلق فقط بمن استورد الأغنام، بل بمن صاغ السياسة، ومن موّلها، ومن راقب تنفيذها، ومن قيّم نتائجها، ومن كان يملك صلاحية تعديلها حين ظهرت أولى مؤشرات عدم بلوغ أهدافها. وفي هذه النقطة تحديداً، يتسع سؤال المسؤولية ليتجاوز شخص لقجع، من دون أن يسمح ذلك بإعفاء أي طرف من مسؤوليته لمجرد أن التنفيذ الميداني كان من اختصاص قطاع آخر.
تبرئة الساحة لا تنهي الأسئلة
وبينما يسعى لقجع إلى وضع مسافة بين منصبه المالي وعملية استيراد الأغنام، فإن طبيعة القرار الحكومي المشترك تُبقي النقاش مفتوحاً حول حدود المسؤولية السياسية لكل قطاع. فالحديث عن «من كان يستورد الخرفان» لا يجيب وحده عن سؤال مختلف تماماً: من كان مسؤولاً عن هندسة الدعم وتمويله وتتبع أثره وتقييم نجاعته؟ وهذا هو السؤال الذي يعيد ملف الأغنام إلى دائرة المساءلة السياسية، بعيداً عن المناكفات الانتخابية وحسابات الاصطفاف الحزبي.





تعليقات