آخر الأخبار
Banner Narsa

تركيا تقترب من الصين وروسيا دون مغادرة الناتو.. هل يولد نظام عالمي جديد؟

Banner Narsa

هل يشهد العالم بالفعل بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها التحالفات التقليدية لمصلحة ترتيبات دولية أكثر مرونة وتعدداً؟ وهل بدأت الدول، خصوصاً تلك التي تمتلك وزناً جيوسياسياً واقتصادياً، تبحث عن مواقع جديدة تسمح لها بالمناورة بين القوى الكبرى بدل الارتهان لمحور واحد؟ أسئلة تعود بقوة إلى الواجهة مع الموقف التركي الأخير، الذي قد يحمل أكثر من دلالة بشأن مستقبل التحالفات الدولية.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال، أمس الأربعاء، إن بلاده، العضو في حلف شمال الأطلسي، ستنظر في الارتقاء بعلاقاتها مع منظمة شنغهاي للتعاون إلى مستوى أعلى، بما في ذلك احتمال الانضمام إليها بصفة عضو كامل.

لكن اللافت في تصريحات أردوغان أنه سارع إلى التأكيد على أن احتمال انضمام تركيا إلى المنظمة لا يعني انفصالها عن أي تكتل آخر أو عن الغرب. وهي إشارة تبدو بالغة الأهمية، لأنها تعكس، في الوقت نفسه، رغبة أنقرة في توسيع خياراتها الدولية، وحرصها على عدم إرسال رسالة تفيد بأنها بصدد مغادرة المعسكر الغربي.

فهل يمكن قراءة الخطوة التركية باعتبارها مجرد محاولة لتنويع العلاقات الخارجية، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في طريقة تفكير بعض الدول تجاه التحالفات الدولية؟

تركيا ليست دولة عادية داخل المنظومة الدولية. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتربطها علاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية مع الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها في المقابل طورت خلال السنوات الأخيرة علاقات متقدمة مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، كما أصبحت حاضرة بشكل متزايد في ترتيبات إقليمية خارج الإطار الغربي.

وفي هذا السياق، يبدو أن أنقرة تحاول الاحتفاظ بأكثر من ورقة في الوقت نفسه. فهي لا تريد، على ما يبدو، التخلي عن موقعها داخل الناتو، لكنها لا تريد أيضاً أن تكون خياراتها الاستراتيجية محصورة في الغرب.

وقد يكون هذا السلوك مؤشراً على ظاهرة أوسع بدأت تفرض نفسها في العلاقات الدولية، تتمثل في انتقال عدد من الدول من مفهوم التحالفات الصلبة إلى مفهوم أكثر مرونة يقوم على تعدد الشراكات والمصالح.

فهل نحن أمام بداية نهاية مرحلة كانت فيها التحالفات الدولية واضحة ومحددة المعالم؟ وهل يمكن أن يصبح من الطبيعي مستقبلاً أن تكون دولة ما جزءاً من تحالف أمني غربي، وفي الوقت نفسه عضواً أو شريكاً في تكتلات تقودها قوى منافسة للغرب؟

منظمة شنغهاي للتعاون تبدو في هذا السياق أكثر أهمية مما قد يوحي به اسمها. فالتكتل الذي تقوده الصين وروسيا يضم عدداً من القوى والدول الآسيوية، ويعكس أحد الأوجه المتنامية للحضور الصيني والروسي في النظام الدولي.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام التركي بالمنظمة باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لتعزيز الحضور في الفضاء الآسيوي، والاستفادة من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.

لكن هل يعني ذلك أن تركيا بصدد الابتعاد عن الغرب؟

التصريحات التركية نفسها لا تدعم هذا الاستنتاج بشكل مباشر. فأردوغان كان واضحاً عندما أكد أن تعزيز العلاقة مع منظمة شنغهاي لا يعني الانفصال عن الغرب. ولذلك قد تكون المسألة أقرب إلى سياسة تقوم على تنويع التحالفات والشراكات، بدلاً من استبدال تحالف بآخر.

وهنا تبرز فرضية أخرى: هل تتحول تركيا إلى نموذج للدول التي تريد أن تكون لها أقدام في أكثر من مساحة جيوسياسية؟

ففي عالم يشهد تنافساً متزايداً بين الولايات المتحدة والصين، واستمراراً للمواجهة بين روسيا والغرب، وتصاعداً في أهمية آسيا اقتصادياً واستراتيجياً، قد تجد دول عديدة نفسها أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، بدلاً من الالتزام الكامل بمحور دولي واحد.

وقد لا تكون تركيا وحدها في هذا المسار. فصعود قوى اقتصادية وديموغرافية جديدة، وتوسع التكتلات غير الغربية، وتزايد أهمية طرق التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية، كلها عوامل يمكن أن تدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية.

لكن هل يعني تعدد الأقطاب بالضرورة تراجع النفوذ الغربي؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستحتفظان بموقعهما باعتبارهما جزءاً أساسياً من منظومة الأمن والاقتصاد العالمي؟

السؤال يبدو مفتوحاً، خصوصاً أن الغرب لا يزال يمتلك أدوات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية واسعة، بينما تعمل الصين وروسيا وقوى أخرى على توسيع نفوذها وبناء شراكات وتكتلات جديدة.

وفي خضم هذا التنافس، قد تكون الدول المتوسطة هي المستفيد الأكبر من التحولات الجارية، لأنها تستطيع استخدام التنافس بين القوى الكبرى لتوسيع هامش المناورة والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية من أكثر من طرف.

ومن هذه الزاوية، فإن الموقف التركي لا ينبغي قراءته فقط باعتباره خبراً يتعلق بمنظمة شنغهاي للتعاون، بل باعتباره جزءاً من سؤال أكبر حول مستقبل النظام الدولي: هل يتجه العالم فعلاً نحو مرحلة تتراجع فيها فكرة “المعسكر الواحد” لصالح عالم تتعدد فيه التحالفات والشراكات؟

وهل نحن أمام إعادة رسم تدريجية لخريطة النفوذ وموازين القوى، بحيث تصبح العلاقات الدولية أقل ارتباطاً بالتحالفات التقليدية وأكثر ارتباطاً بالمصالح المتغيرة؟

ربما لا توجد إجابة نهائية حتى الآن. لكن المؤكد أن تحرك تركيا بين الناتو والشرق، مع إصرارها على الاحتفاظ بعلاقاتها مع الغرب، يكشف أن قواعد اللعبة الدولية أصبحت أكثر تعقيداً، وأن الدول باتت تبحث بشكل متزايد عن مساحة أوسع للمناورة في عالم يبدو أنه يتجه، ولو تدريجياً، نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

Banner Narsa
المقال التالي