فضيحة داخل الشرطة الإسبانية.. تقرير يورط القيادة ويفتري على المغرب وحكومة مدريد آخر من يعلم


تعيش إسبانيا على وقع جدل سياسي وأمني متصاعد، بعد ظهور معطيات جديدة حول الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة المحتلة أواخر يوليوز الماضي، بعدما نسب تقرير للشرطة الوطنية الإسبانية إلى عناصر مغربية دوراً في توجيه وتنظيم عملية دخول آلاف المهاجرين إلى المدينة.
المعطيات التي نشرتها صحيفة «El Español» وضعت الحكومة الإسبانية أمام روايتين متناقضتين، خصوصاً بعدما كان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز قد نفى وجود دليل يثبت تورط المغرب في العملية، في وقت كان فيه وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا نفسه يؤكد عدم علمه بهذا التقرير الأمني.
والأكثر إثارة للجدل أن مارلاسكا لم يكتف بالصمت، بل وجه رسالة عاجلة إلى المدير العام للشرطة الوطنية فرانسيسكو باردو، مطالباً إياه بالتحقق من مضمون التقرير والكشف عن توقيت علم الشرطة بهذه المعطيات، ولماذا لم يتم إبلاغ وزير الداخلية بها في حينها.
اتهامات خطيرة.. ولكن من يتحمل مسؤوليتها؟
بحسب ما أوردته الصحافة الإسبانية، فإن التقرير الذي أحيل إلى قاضية المحكمة الوطنية ماريا تاردون يتحدث عن عملية جرى خلالها، وفق الرواية المنسوبة للشرطة، توجيه مهاجرين من طرف عناصر من الدرك المغربي، تحت إشراف أشخاص بزي مدني، وبهدف يتجاوز مجرد الهجرة.
وتذهب المعطيات المنشورة إلى أن الهدف المفترض كان إرباك منظومة المراقبة الحدودية الإسبانية وتقليص قدرة السلطات على التعامل مع التدفق البشري الكبير.
غير أن هذه الرواية، رغم خطورتها، تبقى في نهاية المطاف مضموناً منسوباً إلى تقرير أمني يخضع للتدقيق، وليست حكماً قضائياً نهائياً يثبت مسؤولية الدولة المغربية.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية المؤسسة الأمنية الإسبانية: عندما يتعلق الأمر باتهام دولة جارة وحليفة بالتخطيط لعملية تمس الأمن والسيادة الإسبانية، فإن الأمر لا يتعلق بمعلومة عادية يمكن تسريبها أو تداولها إعلامياً، وإنما بمعطى بالغ الحساسية يمكن أن تكون له تداعيات سياسية ودبلوماسية كبيرة.
مفارقة كبيرة داخل الحكومة الإسبانية
اللافت أن وزير الداخلية الإسباني نفسه تحرك فور ظهور هذه المعطيات، طالباً من المدير العام للشرطة توضيح مدى صحة ما نشر، ومعرفة منذ متى كانت المؤسسة الأمنية تتوفر على هذه المعلومات.
وتكشف الرسالة، بحسب «Cadena SER»، عن غضب واضح لدى مارلاسكا، الذي شدد على أن المعلومات ذات الصلة بالأمن الداخلي يفترض أن تصل إلى وزير الداخلية باعتباره المسؤول الأعلى عن هذا المجال. كما أظهرت المعطيات أن التقرير مر عبر عدد محدود من الأيدي ولم يكن حتى المدير العملياتي للشرطة على علم بمضمونه.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لجهاز أمني أن يوجه اتهامات بهذا الحجم إلى دولة مثل المغرب، بينما وزير الداخلية المسؤول عن الأمن الداخلي يقول إنه لم يكن على علم بالتقرير؟
إذا صحت هذه المعطيات، فإن الإشكال لا يعود مرتبطاً فقط بالمغرب، وإنما يتحول إلى قضية داخلية إسبانية تتعلق بتسلسل القيادة والمسؤولية المؤسساتية داخل جهاز الشرطة.
سانشيز نفى.. والشرطة تقدم رواية أخرى
المفارقة الأكبر تتمثل في أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز سبق أن نفى مسؤولية المغرب عن التدفق الجماعي نحو سبتة.
وكانت الحكومة الإسبانية قد تحدثت عن وجود تحذيرات استخباراتية بشأن احتمال وقوع تدفق كبير للمهاجرين، غير أن الرواية الرسمية لم تتبن اتهاماً مباشراً للسلطات المغربية بالوقوف وراء العملية.
بل إن سانشيز حافظ على خطاب يؤكد أهمية التعاون مع الرباط، وهو ما يجعل ظهور تقرير أمني يتحدث عن تورط عناصر مغربية في تنظيم العملية بمثابة تطور محرج للحكومة الإسبانية.
وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الرواية الواردة في التقرير صحيحة أم لا، وإنما أيضاً بكيفية إدارة المؤسسات الإسبانية لهذه المعلومات، ومن يتحمل مسؤولية تسريبها أو إحالتها إلى القضاء دون إبلاغ وزير الداخلية، إذا ثبت بالفعل أن الوزارة لم تكن على علم بها.
هل تحولت الشرطة الإسبانية إلى لاعب سياسي؟
الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى قيادة الشرطة الإسبانية لا تنطلق من الدفاع عن أي طرف، وإنما من مبدأ مؤسساتي بسيط: اتهام دولة أجنبية بالتخطيط لعملية بهذا الحجم يحتاج إلى أدلة قوية ومسار مؤسساتي واضح، وليس إلى تقارير غامضة أو تسريبات إعلامية.
فإذا كانت الشرطة تتوفر على أدلة حقيقية تثبت تورط جهات مغربية، فمن الطبيعي أن تقدمها إلى القضاء وأن تتحمل مسؤولية ما ورد فيها.
أما إذا كانت المعطيات مجرد تقديرات أو تحليلات أمنية غير مكتملة، فإن تقديمها بصيغة توحي بوجود عملية مغربية منظمة يمكن أن يتحول إلى اتهام سياسي بالغ الخطورة.
والأخطر من ذلك أن يكون وزير الداخلية نفسه آخر من يعلم بهذه المعلومات.
في هذه الحالة، لا يصبح السؤال فقط: هل تورط المغرب؟ وإنما أيضاً: من كان يدير الملف داخل إسبانيا؟ ومن سمح بخروج هذه الرواية إلى العلن دون علم المسؤول الحكومي الأول عن الأمن الداخلي؟
المغرب أمام اتهامات خطيرة.. وغياب الرد الرسمي
في المقابل، لم يصدر إلى حدود الآن رد مغربي رسمي على هذه الاتهامات الجديدة، فيما تواصل مدريد محاولة احتواء التداعيات الداخلية للقضية.
ويبدو أن الرباط تفضل في هذه المرحلة عدم الدخول في سجال إعلامي مع المؤسسات الإسبانية، خصوصاً أن القضية أصبحت أولاً وقبل كل شيء أزمة داخلية داخل إسبانيا نفسها.
فالحكومة الإسبانية مطالبة اليوم بتفسير التناقض بين تصريحات رئيسها، ومضمون التقرير الأمني المنسوب إلى الشرطة، وموقف وزير الداخلية الذي طالب بدوره بمعرفة حقيقة التقرير ولماذا لم يتم إبلاغه به.
أزمة ثقة أكثر منها أزمة هجرة
ما بدأ كأزمة هجرة على حدود سبتة يتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة داخل المؤسسات الإسبانية.
فمن جهة، هناك رئيس حكومة ينفي وجود دليل على تورط المغرب.
ومن جهة ثانية، هناك تقرير أمني يتحدث عن دور لعناصر مغربية في توجيه العملية.
ومن جهة ثالثة، هناك وزير الداخلية الذي يطلب من قيادة الشرطة التأكد من صحة ما نشر ومعرفة سبب عدم إطلاعه عليه.
وبين هذه الروايات الثلاث، يبقى المغرب في موقع المتهم دون أن تكون المسؤولية قد ثبتت بحكم قضائي نهائي.
ولهذا فإن المسؤولية الأولى تقع الآن على عاتق المؤسسات الإسبانية نفسها: إما تقديم أدلة واضحة وقابلة للتحقق، أو توضيح أن ما ورد في التقرير لا يتجاوز فرضيات وتحليلات أمنية.
أما تحويل اتهامات غير محسومة إلى رواية سياسية ضد المغرب، فإنه لا يخدم الأمن الإسباني ولا العلاقات بين مدريد والرباط، وقد يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية لا تحتاجها المنطقة في هذا الظرف.
وفي انتظار توضيحات مارلاسكا وقيادة الشرطة، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً داخل إسبانيا: كيف يمكن اتهام المغرب بتدبير عملية ضخمة، بينما وزير الداخلية الإسباني نفسه يقول إنه لم يكن يعلم بوجود التقرير الذي يحمل هذا الاتهام؟





تعليقات