تراجع بـ46% يضرب السردين المغربي.. هل يواجه المغرب أزمة في هذه المادة؟


يشهد قطاع السردين بالمغرب تراجعاً حاداً في المصطادات، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل إمدادات الأسواق الدولية من هذا المنتوج، خصوصاً السوق الأمريكية التي تعرف ارتفاعاً لافتاً في استهلاك الأسماك المعلبة.
وتتزامن هذه الوضعية مع ضغوط بيئية متزايدة على المصايد، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران واضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
تراجع كبير في مصطادات السردين
وسلط تقرير أمريكي نُشر الاثنين 31 غشت 2026 الضوء على وضع السردين المغربي، مشيراً إلى أن المغرب، الذي يحتل موقعاً متقدماً عالمياً في تصدير هذا النوع من الأسماك، سجل انخفاضاً يقارب 46 في المائة في مفرغات السردين خلال السنوات الأخيرة.
وبلغت الكميات نحو 525 ألف طن سنة 2024، في مؤشر على حجم التراجع الذي تعرفه هذه المصايد.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة إقبالاً متزايداً على الأسماك المعلبة. وارتفعت مبيعات هذا القطاع من حوالي 2.3 مليار دولار سنة 2018 إلى أكثر من 2.7 مليار دولار سنة 2024.
كما بلغت مشتريات الأمريكيين من المأكولات البحرية المحفوظة طويلة الأجل نحو 3.52 مليارات دولار خلال سنة واحدة.
السردين ثاني أكثر الأسماك المعلبة شعبية في أمريكا
أصبح السردين ثاني أكثر أنواع الأسماك المعلبة شعبية في السوق الأمريكية بعد التونة، متقدماً على السلمون.
وأظهرت بيانات منصة توصيل الطعام «Grubhub» أن طلبات الأسماك المعلبة عبر خدماتها تضاعفت ثلاث مرات خلال سنة 2025.
وعلى المستوى العالمي، بلغت قيمة سوق الأسماك المعلبة نحو 10.24 مليارات دولار سنة 2024، وسط توقعات بوصولها إلى 17.97 مليار دولار بحلول سنة 2034.
حرارة المياه تهدد مناطق الصيد التقليدية
ويرتبط جزء من تراجع الموارد السمكية بالتغيرات التي يشهدها المحيط، خصوصاً ارتفاع درجات حرارة المياه.
وأوضح رشيد السميلي، الأستاذ ورئيس كرسي كندا للأبحاث في اقتصاد المحيطات ومصايد الأسماك متعددة التخصصات بجامعة كولومبيا البريطانية، أن السردين من الأنواع شديدة الحساسية للتغير في درجات حرارة المياه.
وأشار إلى أن ارتفاع حرارة المياه يدفع أسراب السردين إلى البحث عن مناطق تتوفر فيها درجات حرارة أكثر ملاءمة، ما قد يؤدي إلى انتقالها بعيداً عن السواحل ومناطق الصيد التقليدية.
غير أن الخبير شدد على أن التغير المناخي ليس العامل الوحيد وراء هذا التراجع، إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها الصيد المفرط والتلوث والنفايات البلاستيكية ومختلف الضغوط التي تواجهها النظم البحرية.
رحلات أطول وتكاليف صيد أكبر
ويعني ابتعاد أسراب السردين عن مناطق الصيد المعتادة أن سفن الصيد قد تضطر إلى قطع مسافات أطول للعثور عليها.
ومن شأن ذلك أن يرفع مدة الرحلات البحرية وتكاليفها، دون وجود ضمانات بتحقيق الكميات نفسها التي كانت تسجل في السابق.
وتزداد صعوبة الوضع مع ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، في ظل الاضطرابات المرتبطة بالحرب في إيران والتراجع الكبير في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
الطاقة تضاعف الضغط على الصيادين
وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الأزمة تسببت في أكبر اضطراب لإمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية، بعدما تراجعت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض.
وكان المضيق يشهد، في الظروف الطبيعية، مرور ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية.
ويرى السميلي أن تأثير الحرب على قطاع الصيد المغربي يبقى غير مباشر بالأساس، وينتقل عبر ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، في وقت تضطر فيه سفن الصيد إلى الإبحار لمسافات أطول بحثاً عن الموارد.
ووصف الخبير الوضع بأنه «ضربة مزدوجة»، حيث تدفع حرارة المياه الأسماك بعيداً عن مناطق الصيد التقليدية، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكلفة الوصول إليها.
وتضاف إلى ذلك تكاليف أخرى مرتبطة بالتأمين وسلامة البحارة والمخاطر التشغيلية الناتجة عن الرحلات الطويلة.
اضطرابات هرمز ترفع مخاوف الأسواق
ولا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تعرف اضطرابات كبيرة، حيث أظهرت بيانات حديثة استمرار حركة السفن عند مستويات منخفضة للغاية.
وتزامن ذلك مع ارتفاع خام برنت إلى أكثر من 92 دولاراً للبرميل عقب تجدد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتزيد هذه التطورات من الضغوط التي تواجه قطاع الصيد، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الوقود اللازمة لرحلات الصيد والنقل.
السردين يفقد موقعه في الصادرات المغربية
وتنعكس أزمة الموارد السمكية أيضاً على تركيبة صادرات قطاع الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة بالمغرب.
وتظهر معطيات كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري أن حصة السردين من قيمة صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة تراجعت من 70 في المائة سنة 2020 إلى 23 في المائة فقط سنة 2025.
وعلى مستوى الكميات، انخفضت حصة السردين من 72 في المائة إلى 24 في المائة خلال الفترة نفسها.
في المقابل، ارتفعت حصة أنواع أخرى، مثل الإسقمري وسمك «الشنشار»، ما يعكس تحولاً تدريجياً في تركيبة صادرات القطاع.
المغرب يوقف تصدير السردين المجمد
وكان المغرب قد قرر وقف تصدير السردين المجمد ابتداءً من فاتح فبراير 2026، في خطوة قالت السلطات إن هدفها يتمثل في تعزيز تموين السوق الوطنية والمساهمة في الحد من ارتفاع الأسعار، عقب التراجع الملحوظ في الكميات المتاحة.
غير أن الخبير الذي استند إليه التقرير الأمريكي أبدى تحفظاً بشأن قدرة قيود التصدير وحدها على معالجة الأزمة على المدى الطويل.
ويرى أن هذه الإجراءات يمكن أن توفر متنفساً للسوق الداخلية على المدى القصير، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية المرتبطة بتراجع الموارد وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ضغوط مماثلة في إسبانيا والبرتغال
ولا تقتصر الضغوط على مصايد السردين المغربية، إذ تواجه شبه الجزيرة الإيبيرية بدورها قيوداً على المصطادات.
وحددت السلطات البرتغالية سقف مفرغات السردين لسنة 2026 في 33 ألفاً و446 طناً، بانخفاض قدره 960 طناً مقارنة بسنة 2025، مع إعادة فتح الموسم في 4 ماي الماضي.
وفي إسبانيا، أظهرت المعطيات الرسمية أن سقف المصطادات المحدد ضمن الخطة المشتركة مع البرتغال تراجع بنسبة 2.79 في المائة مقارنة بسنة 2025.
كما ارتفع متوسط سعر السردين في السوق الإسبانية إلى نحو 1.50 يورو للكيلوغرام، بزيادة تقارب 50 سنتاً مقارنة بمستويات سنة 2024.
طلب عالمي متزايد وعرض يتراجع
ويشير التقرير إلى أن اجتماع ارتفاع الطلب الدولي مع تقلص العرض وارتفاع تكاليف الطاقة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى توفر كميات أقل وارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين.
وتبدو هذه المخاطر أكثر وضوحاً في الأسواق التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية حاجياتها من الأسماك المعلبة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأسعار، إذ تحمل المسألة أيضاً بعداً اجتماعياً، بالنظر إلى أن السردين يمثل مصدراً مهماً للبروتين منخفض التكلفة بالنسبة إلى شرائح واسعة من السكان.
كما يمكن أن تمتد آثار تراجع الموارد وارتفاع تكاليف الصيد إلى البحارة والعاملين في القطاع والمجتمعات الساحلية.
وبذلك، يجد السردين المغربي نفسه في مواجهة ضغوط متشابكة، تجمع بين ارتفاع حرارة المحيط وتراجع الموارد السمكية من جهة، وارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات الملاحة الدولية من جهة أخرى.
ويأتي ذلك بالتزامن مع طفرة في الطلب على الأسماك المعلبة، خصوصاً في السوق الأمريكية، ما يفتح الباب أمام مخاوف من انتقال تداعيات الأزمة من موانئ الصيد إلى رفوف المتاجر والأسعار التي يدفعها المستهلك النهائي.





تعليقات