آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

من مدونة الأسرة إلى التقاعد والمونديال.. ملفات ثقيلة تنتظر حكومة ما بعد انتخابات 2026

Banner Narsa

ستجد الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر 2026 نفسها أمام أجندة سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة الثقل، في ظل تراكم عدد من الملفات المؤجلة، واستمرار أخرى في إثارة الجدل والاحتجاج، إلى جانب أوراش استراتيجية ترتبط بمستقبل البلاد واستعداداتها لاحتضان كأس العالم 2030.

الحكومة المقبلة لن ترث فقط مشاريع وبرامج يفترض استكمالها، بل ستتسلم أيضا ملفات حساسة تحتاج إلى قرارات سياسية عاجلة، بعضها يرتبط بالتشريع، وبعضها الآخر بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم، فيما يفرض ورش المونديال والتنمية الترابية تحديات مالية ولوجستية كبرى.

وبين الملفات التي ستفرض نفسها بقوة على طاولة السلطة التنفيذية الجديدة، تبرز مراجعة مدونة الأسرة، وإصلاح أنظمة التقاعد، وإنهاء أزمة المحامين، وتسريع أوراش مونديال 2030، وتنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة، إضافة إلى ملفات اجتماعية ضاغطة مثل البطالة وغلاء الأسعار وإشكالات قطاعي الصحة والتعليم.

مدونة الأسرة.. ورش مجتمعي شديد الحساسية

يأتي إصلاح مدونة الأسرة في مقدمة الملفات التي ستحتاج الحكومة المقبلة إلى التعامل معها، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحياة اليومية للأسر المغربية وبعدد من القضايا الاجتماعية والقانونية الحساسة.

فآخر تعديل شامل للمدونة يعود إلى سنة 2004، بينما شهد المجتمع المغربي خلال أكثر من عقدين تحولات كبيرة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، وهو ما أعاد النقاش حول مدى قدرة النص الحالي على مواكبة هذه التحولات.

وكان المغرب قد أطلق في شتنبر 2023 ورش مراجعة مدونة الأسرة، قبل أن تدخل المشاورات مرحلة أكثر تقدما من خلال إشراك مختلف الأطراف السياسية والمؤسساتية والمدنية المعنية.

وبعد إعداد المقترحات وإحالتها إلى الجهات المختصة، سيكون على الحكومة المقبلة مواصلة المسار التشريعي والمؤسساتي لهذا الورش، وسط انقسام واضح في المواقف المجتمعية بشأن عدد من القضايا التي تتضمنها المراجعة.

وتكمن حساسية الملف في أن أي تعديل لن يكون مجرد تغيير تقني في نص قانوني، وإنما سيؤثر بشكل مباشر في قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والنسب وغيرها من الملفات التي تحظى باهتمام واسع داخل المجتمع.

التقاعد.. إصلاح مؤجل ينتظر قرارات صعبة

ومن أثقل الملفات التي ستنتقل إلى الحكومة المقبلة إصلاح أنظمة التقاعد، وهو ملف ظلت الحكومات المتعاقبة مطالبة بحسمه في ظل النقاش حول الاستدامة المالية للأنظمة المختلفة ومستقبل معاشات المتقاعدين.

وكانت اللجنة التقنية المكلفة بالملف قد شرعت في مرحلة التشخيص، وعقدت لقاءات مع مختلف صناديق التقاعد، من أجل الوقوف على الوضعية المالية والإكراهات التي تواجه المنظومة.

لكن الانتقال من التشخيص إلى اتخاذ القرارات سيكون أكثر صعوبة، لأن أي إصلاح حقيقي سيطرح قضايا حساسة تتعلق بسن التقاعد ونسب المساهمات وطريقة احتساب المعاشات والتوازن بين حقوق الأجراء والموظفين وضمان استمرارية الصناديق.

ولهذا، سيكون الملف بمثابة اختبار سياسي واجتماعي للحكومة الجديدة، خصوصا إذا اختارت الانتقال من مرحلة الدراسات والتشخيص إلى إجراءات عملية قد تكون لها تكلفة اجتماعية وسياسية.

معركة المحامين.. قانون دخل حيز التنفيذ والإضراب مستمر

من الملفات التي قد تجد الحكومة المقبلة نفسها مضطرة إلى مواجهتها منذ بداية ولايتها، ملف المحامين، الذي تحول إلى واحدة من أبرز الأزمات المهنية والقانونية التي استمرت لفترة طويلة.

فرغم نشر القانون المنظم لمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية ودخوله حيز النفاذ، لم تنته الأزمة، بل ظل قطاع واسع من المحامين في مواجهة مفتوحة مع الجهات الحكومية، في ظل استمرار الإضراب عن العمل لأزيد من ثلاثة أشهر.

وتتجاوز أهمية هذا الملف حدود الخلاف المهني بين المحامين ووزارة العدل، بالنظر إلى تأثير الإضراب على سير عدد من المحاكم وعلى مصالح المتقاضين والمرتفقين، خصوصا في الملفات التي تتطلب حضور الدفاع ومؤازرة المحامين.

كما أن استمرار الاحتجاج لفترة طويلة يضع الحكومة المقبلة أمام وضعية معقدة، إذ لن يكون عليها فقط التعامل مع قانون أصبح رسميا ومنشورا في الجريدة الرسمية، وإنما أيضا البحث عن مخرج لأزمة مهنية وسياسية وقانونية امتدت إلى ما بعد صدور النص.

والأكثر إثارة أن احتمال استمرار الإضراب إلى ما بعد تنصيب الحكومة المقبلة يبقى مطروحا، وهو ما يعني أن السلطة التنفيذية الجديدة قد تجد نفسها أمام أول اختبار مهني كبير قبل أن تبدأ فعليا في تنزيل برنامجها الحكومي.

ويطرح استمرار الأزمة سؤالا أوسع حول قدرة الحكومة على تدبير الحوار مع الهيئات المهنية، وحول حدود التوافق الممكن بشأن القوانين المنظمة للمهن القضائية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع يرتبط بشكل مباشر بحقوق المواطنين وبحسن سير العدالة.

وبالتالي، لن يكون أمام الحكومة المقبلة خيار تجاهل الملف أو الاكتفاء بانتظار انتهاء الاحتجاج، بل ستكون مطالبة بالبحث عن صيغة للحوار تضمن احترام القانون، وفي الوقت نفسه تخفف حالة الاحتقان وتعيد انتظام العمل بالمحاكم.

مونديال 2030.. مليارات وأوراش تحت المجهر

على الجانب الآخر، سيكون تنظيم كأس العالم 2030 أحد أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة، باعتبار أن المغرب سيحتضن هذا الحدث العالمي بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

وتتواصل حاليا مشاريع ضخمة تشمل تأهيل الملاعب وتطوير المطارات والطرق والسكك الحديدية ووسائل النقل ومختلف البنيات التحتية المرتبطة باستقبال ملايين الزوار.

وتفرض ضخامة هذه الاستثمارات على الحكومة المقبلة مسؤولية مضاعفة، ليس فقط لضمان احترام آجال الإنجاز، وإنما أيضا لضمان جودة المشاريع وحسن تدبير الموارد المالية المخصصة لها.

وقد بلغت الاعتمادات المرتبطة بهذه الأوراش مستويات ضخمة، وهو ما يجعل تدبيرها خاضعا لمراقبة سياسية ومجتمعية متزايدة، خصوصا في ظل ارتفاع المطالب بربط الإنفاق العمومي بالنتائج الملموسة التي يستفيد منها المواطن.

فالمغاربة لا يريدون فقط ملاعب حديثة وطرقا جديدة، بل ينتظرون أن تتحول هذه الاستثمارات إلى فرص عمل وتحسين دائم للنقل والخدمات والبنيات الأساسية.

التنمية الترابية.. هل تصل الاستثمارات إلى المواطن؟

وبالتوازي مع ورش المونديال، سيكون على الحكومة المقبلة مواكبة تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تراهن الدولة من خلالها على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحسين ظروف العيش بمختلف مناطق المملكة.

وتكتسب هذه البرامج أهمية خاصة في ظل استمرار التفاوت الكبير بين بعض المدن والمراكز الحضرية من جهة، وعدد من المناطق القروية والجبلية والنائية من جهة أخرى.

فالمواطن في العديد من المناطق لا يقيس التنمية بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بوجود مستشفى قريب، ومدرسة جيدة، وطريق صالح، ووسائل نقل، وماء، وفرص شغل، وخدمات إدارية وصحية وتعليمية في مستوى انتظاراته.

ومن هنا، ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بضمان التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية، حتى لا تتحول برامج التنمية الترابية إلى مشاريع متفرقة تفتقر إلى الانسجام أو إلى آليات واضحة لقياس النتائج.

التشغيل وغلاء الأسعار.. الامتحان الأصعب

ورغم أهمية الملفات التشريعية والأوراش الكبرى، فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة قد يكون مرتبطا بالملفات التي تمس المواطن بشكل مباشر.

فغلاء الأسعار والقدرة الشرائية والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة ستظل في صدارة الانشغالات الشعبية، مهما كانت ضخامة المشاريع والاستثمارات التي يتم الإعلان عنها.

وسيكون التشغيل تحديا خاصا، خصوصا بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات، في ظل استمرار المطالب بإيجاد حلول عملية للبطالة وخلق فرص عمل مستقرة، بدل الاقتصار على برامج محدودة الأثر أو إجراءات ظرفية.

أما ملف الأسعار، فسيكون أكثر حساسية، لأن المواطن يحكم على السياسات الحكومية من خلال ما يدفعه يوميا في الأسواق، وليس فقط من خلال مؤشرات النمو والاستثمار.

التعليم.. ملفات مهنية واجتماعية مفتوحة

قطاع التعليم بدوره سيحمل إلى الحكومة المقبلة عددا من الملفات، سواء تعلق الأمر بظروف اشتغال رجال ونساء التعليم، أو بولوج الوظيفة العمومية، أو بإصلاح الجامعة.

ويبرز ضمن هذه الملفات النقاش حول تسقيف سن اجتياز مباريات التعليم في 35 سنة، وهو القرار الذي ظل محل انتقاد من عدد من حاملي الشهادات الذين يطالبون بإعادة النظر فيه وفتح المباريات أمام فئات عمرية أوسع.

كما يستمر النقاش حول الرسوم المرتبطة بالدراسة بالتوقيت الميسر في الجامعات، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم إلى جانب عملهم.

وسيكون على الحكومة المقبلة تحديد موقف واضح من هذه الملفات، بما يضمن عدم تحول الإصلاحات إلى مصدر جديد للاحتقان الاجتماعي.

الصحة.. الورش الذي لا يحتمل الانتظار

الصحة ستكون بدورها من الملفات التي ستختبر قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من الإصلاحات المؤسساتية إلى تحسين الخدمات الفعلية.

فإحداث مستشفيات ومؤسسات صحية جديدة لا يكفي وحده لمعالجة الاختلالات، ما لم يرافقه توفير الأطباء والممرضين والأطر الصحية، وضمان توزيع عادل للموارد البشرية بين المدن والمناطق القروية والنائية.

كما ستظل جودة الخدمات والاستقبال وتقليص آجال الانتظار وتوفير الأدوية والعلاجات الأساسية من أبرز المؤشرات التي سيقيس المواطن من خلالها مدى نجاح الإصلاح الصحي.

حكومة جديدة أمام اختبار الثقة

في المحصلة، ستتسلم الحكومة المقبلة أجندة مزدحمة بالملفات الثقيلة، لكنها ستواجه في الوقت نفسه تحديا أكبر يتمثل في استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي والمؤسساتي.

فالإصلاحات الكبرى مثل مدونة الأسرة والتقاعد والمونديال والتنمية الترابية تحتاج إلى قرارات جريئة وتدبير محكم، بينما تتطلب الملفات الاجتماعية العاجلة استجابة أسرع وأكثر التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة.

أما ملف المحامين، فقد يكون من أولى الأزمات التي ستجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بإطفائها، خصوصا إذا استمر الإضراب بعد تنصيبها.

وفي النهاية، لن يكون نجاح الحكومة المقبلة رهينا بعدد القوانين التي ستصادق عليها أو بعدد المشاريع التي ستدشنها، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه الأوراش إلى نتائج ملموسة، وعلى رأسها فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، وتطوير الصحة والتعليم، وضمان عدالة ناجعة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وبذلك ستكون انتخابات 23 شتنبر 2026 أكثر من مجرد محطة لتغيير الأغلبية الحكومية؛ فهي ستفتح الباب أمام حكومة مطالبة بإدارة ملفات مؤجلة وأزمات قائمة وأوراش ضخمة، وسط سقف مرتفع من انتظارات المغاربة.

Banner Narsa
المقال التالي