آخر الأخبار
Banner Narsa

أخنوش يقدم “حصيلة أكادير” قبل الانتخابات.. هل تحولت المشاريع الملكية إلى رصيد انتخابي للأحرار؟

Banner Narsa

اختار عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس مجلس جماعة أكادير، مدينة أكادير مساء أمس السبت لتقديم حصيلة تدبير المجلس الجماعي الذي يقوده حزب التجمع الوطني للأحرار، وذلك خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب لتقديم مرشحيه ومرشحاته بجهة سوس ماسة استعداداً للانتخابات التشريعية المقبلة.

وفي كلمته، قدم أخنوش صورة وردية عن وضع المدينة، متحدثاً عن «تحولات» و«رؤية» و«ثمار جهد» وميزانيات ضخمة ومشاريع في النقل والنظافة والإنارة والفضاءات الخضراء والصحة والأحياء والمناطق القروية، معتبراً أن المجلس نجح في تحويل الرؤية الملكية إلى واقع ملموس.

لكن خطاب رئيس الحكومة يفتح، في المقابل، باباً واسعاً للأسئلة حول من يملك فعلاً حق تقديم هذه المشاريع كحصيلة انتخابية؟ وهل كل ما ذكره أخنوش هو فعلاً من إنجاز مجلس جماعة أكادير الذي يرأسه منذ 2021، أم أن جزءاً مهماً منه يتعلق ببرنامج ملكي ضخم أُطلق قبل وصوله إلى رئاسة المجلس؟

برنامج ملكي أطلق قبل أخنوش

أخنوش نفسه استحضر في كلمته برنامج التنمية الحضرية لأكادير 2020-2024، وقال إن المنتخبين عملوا على تحويل الرؤية الملكية إلى مشاريع ملموسة.

غير أن الوقائع الزمنية هنا لا تحتاج إلى كثير من التأويل.

فالملك محمد السادس أطلق البرنامج يوم 4 فبراير 2020، أي قبل الانتخابات الجماعية لسنة 2021 وقبل تولي أخنوش رئاسة المجلس الجماعي لأكادير.

وكان البرنامج قد رُصد له في البداية غلاف مالي يقارب 6 مليارات درهم، بهدف تأهيل المدينة وتعزيز بنياتها التحتية وتحسين ظروف عيش سكانها، خصوصاً في الأحياء ناقصة التجهيز، وتقوية الشبكة الطرقية والنقل والمرافق والخدمات.

بل إن برنامج التتبع كان قائماً قبل وصول المجلس الحالي؛ ففي يناير 2021، كانت لجنة الإشراف والتتبع والتقييم قد سجلت انطلاق أشغال 13 مشروعاً بكلفة بلغت ملياراً و651 مليون درهم من أصل 94 مشروعاً مبرمجاً.

وهنا تحديداً يبرز السؤال الذي كان ينبغي أن يطرح في لقاء السبت:

هل يجوز تقديم برنامج ملكي أُطلق سنة 2020، ورُصدت له مليارات الدراهم قبل انتخابات 2021، باعتباره حصيلة انتخابية خالصة للمجلس الحالي؟

أخنوش يتحدث عن «الرؤية الملكية» وكأنها حصيلة حزبية

قال أخنوش إن «التحولات التي تعرفها أكادير اليوم ليست أوراشاً متفرقة»، بل رؤية تهدف إلى تجديد نمط عيش المواطنين، كما تحدث عن 20 مليار سنتيم لأحياء سفوح الجبال، ومليار درهم لمواصلة التأهيل الحضري والخدمات بعدد من الأحياء.

كما تحدث عن النقل الحضري والإنارة والنظافة والواجهة البحرية والسياحة والصحة والفضاءات الرياضية والثقافية، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن مشاريع بالمناطق القروية في عمالة أكادير إداوتنان.

لكن المفارقة أن الخطاب نفسه يعترف بأن جزءاً مهماً من هذه الأوراش يدخل في إطار البرنامج الملكي للتنمية الحضرية وبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

وبالتالي، فإن المشكلة ليست في وجود المشاريع أو إنكار ما تحقق على أرض الواقع، وإنما في محاولة وضع كل هذه الإنجازات في سلة واحدة ثم تقديمها للناخب باعتبارها حصيلة سياسية للأحرار.

فحتى المصادر الرسمية حول برنامج التنمية الحضرية تؤكد أن المشروع أطلقه الملك سنة 2020، وأن لجنة الإشراف والتتبع والتقييم كانت قائمة منذ ذلك الوقت.

أين كان المجلس من مشاريع بمليارات الدراهم؟

الأكثر إثارة في خطاب أخنوش أنه تحدث عن ضرورة مواصلة تتبع الأوراش وتنفيذها، وقدم نفسه وحلفاءه باعتبارهم أصحاب الفضل في الدينامية التي عرفتها المدينة.

لكن تتبع مسار برنامج أكادير يكشف أن هناك فرقاً بين إنجاز المشروع وبين تدبيره السياسي والتنفيذي.

ففي يوليوز 2021، أي قبل الانتخابات الجماعية، كانت لجنة الإشراف والتتبع والتقييم تعقد اجتماعاتها للوقوف على تقدم مشاريع البرنامج، وكان الاجتماع الخامس برئاسة والي جهة سوس ماسة وبحضور باقي أعضاء اللجنة.

وهذا يجعل من غير المنطقي اختزال مسار برنامج بهذا الحجم في ولاية انتخابية واحدة، خصوصاً أن الأشغال والدراسات والصفقات والاتفاقيات انطلقت قبل تسلم المجلس الحالي مسؤولياته.

بل إن معطيات منشورة حول البرنامج تظهر أن التنفيذ كان قد بدأ فعلياً قبل انتخابات شتنبر 2021، مع إطلاق 13 مشروعاً في السنة الأولى من البرنامج.

«20 ملياراً».. لمن تعود الحصيلة؟

أخنوش تحدث عن تخصيص أكثر من 20 مليار سنتيم لأحياء سفوح الجبال، تشمل الطرق والإنارة وملاعب القرب والمساحات الخضراء وواجهات المنازل.

كما تحدث عن مليار درهم لتأهيل الخدمات في عدد من الأحياء.

لكن الناخب الأكاديري من حقه أن يعرف بدقة:

كم من هذه الأموال مصدره ميزانية الجماعة؟

وكم منها جاء من الدولة أو المؤسسات العمومية أو برامج ملكية؟

وما هي المشاريع التي بادر بها المجلس فعلاً؟

وما هي المشاريع التي وجدها مبرمجة أو موقعة أو ممولة قبل وصوله؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من استعراض الأرقام بالمليارات.

فالمواطن لا يحتاج إلى سماع رقم كبير فقط، وإنما يحتاج إلى معرفة صاحب المشروع، ومصدر التمويل، وتاريخ إطلاقه، ومن نفذه، ومن تتبعه، وما الذي أضافه المجلس فعلياً إليه.

أخنوش يتحدث عن السياحة.. والمواطن يسأل عن حياته اليومية

ومن بين الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة أن أكادير استقبلت نحو مليون ونصف سائح سنة 2025، معتبراً أن المدينة أصبحت وجهة للعيش والسياحة واحتضان التظاهرات الكبرى.

لكن هنا أيضاً تبدو المسافة واسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه جزء من سكان المدينة.

فالسائح قد يرى كورنيشاً جميلاً، وفضاءات جديدة، ومشاريع عمرانية ضخمة، لكن المواطن يريد قبل كل شيء خدمات صحية أفضل، ونقلاً عمومياً أكثر انتظاماً، وفرصاً للشغل، وأسعاراً يمكن تحملها، وأحياء لا تشعر بالتهميش، وإدارة جماعية حاضرة وقريبة منه.

ولهذا فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون عدد المشاريع المصورة في التقارير أو حجم الأغلفة المالية المعلنة، بل مدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان.

والمفارقة أن أخنوش نفسه قال خلال اللقاء إن المشاريع ينبغي أن تفضي إلى إنجازات تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.

وهذه الجملة تحديداً يمكن أن تتحول إلى سؤال سياسي كبير أمامه:

إذا كان المعيار هو الحياة اليومية للمواطن، فهل يشعر المواطن الأكاديري فعلاً بأن حياته تحسنت بالقدر الذي توحي به أرقام الحصيلة؟

غياب رئيس المجلس عن المدينة.. سؤال آخر في الحصيلة

وبعيداً عن المشاريع نفسها، يطرح تدبير المجلس الجماعي لأكادير سؤالاً سياسياً آخر يتعلق بالحضور السياسي لرئيسه.

فأخنوش يجمع بين منصب رئيس الحكومة ورئيس جماعة أكادير، وهو ما يجعل تدبير المدينة بحاجة إلى حضور سياسي وميداني مستمر، خصوصاً في مرحلة تشهد تنفيذ أوراش ضخمة.

غير أن الانتقادات المحلية ظلت تلاحق رئيس المجلس بسبب ما يعتبره منتقدوه غياباً متكرراً عن المدينة وانشغالاً بالمهام الحكومية والحزبية.

كما أن الوثائق المنشورة حول لجنة الإشراف والتتبع والتقييم لبرنامج التنمية الحضرية تُظهر أن اجتماعاتها كانت تنعقد برئاسة والي الجهة، وهو ما يستدعي التمييز بين دور المجلس الجماعي في مواكبة بعض المشاريع وبين المسؤولية العامة عن برنامج ملكي متعدد المتدخلين.

وبالتالي، فإن تقديم كل هذا المسار على أنه نتاج مباشر لتدبير المجلس يحتاج إلى تفصيل وتدقيق أكثر، وليس إلى خطاب انتخابي مختصر.

هل يتحول «الإنجاز» إلى ورقة انتخابية؟

اللقاء الذي احتضنته أكادير لم يكن اجتماعاً تقنياً لتقييم المشاريع، بل لقاءً حزبياً جاء في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، حيث قدم الأحرار مرشحيهم ومرشحاتهم بجهة سوس ماسة.

وبالتالي، فإن استعراض الحصيلة لم يكن بريئاً من الحساب الانتخابي.

الحزب يريد أن يقول للناخب السوسي: هذه حصيلتنا، وهذه مشاريعنا، وهذا ما أنجزناه.

لكن الرد المقابل يمكن أن يكون:

هذه مشاريع الدولة والملك ومؤسسات متعددة، فأين حصيلة الحزب تحديداً؟

وهنا ستصبح المعركة الحقيقية هي معركة نسبة الفضل إلى صاحبه.

تصويت عقابي قد ينتظر الأحرار

وفي ظل اقتراب الانتخابات، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يواجه فقط منافسة انتخابية عادية، وإنما يواجه أيضاً احتمال ما يمكن وصفه بـالتصويت العقابي على خلفية تدبير عدد من الملفات خلال الولاية الحكومية الحالية.

وإذا كان أخنوش يريد من سكان أكادير أن يقيموا أداء منتخبيه من خلال ما يرونه في الشوارع، فمن حق هؤلاء أيضاً أن يقيموا الحزب من خلال ما عاشوه خلال السنوات الماضية.

فالناخب ليس رقماً في جدول انتخابي، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد متلقٍ للأرقام.

لقد أصبح أكثر قدرة على المقارنة بين الوعود والنتائج، وبين الميزانيات والأثر، وبين الخطابات والواقع.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي للأحرار في سوس لن يكون فقط في إقناع الناخب بأن أكادير تغيرت، لأن ذلك التغيير يمكن للجميع أن يراه، وإنما في إقناعه بأن الحزب هو صاحب الفضل الأساسي فيه.

وهذه مسألة مختلفة تماماً.

أكادير لا تحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ

لا أحد يستطيع أن ينكر أن أكادير شهدت خلال السنوات الأخيرة أوراشاً ومشاريع مهمة، ولا أن المدينة استفادت من استثمارات ضخمة.

لكن الإنصاف السياسي يقتضي ألا تبدأ ذاكرة المدينة سنة 2021.

فأكادير عرفت محطة مفصلية يوم 4 فبراير 2020، عندما أطلق الملك محمد السادس برنامج التنمية الحضرية بغلاف يقارب 6 مليارات درهم.

ومن ثم، فإن تقديم كل ما تحقق باعتباره حصيلة مجلس واحد أو حزب واحد فيه اختزال لمسار تنموي شاركت فيه الدولة والسلطات المحلية والجهة والمؤسسات العمومية ومختلف المتدخلين.

أما الانتخابات، فستكون فرصة للناخبين لكي يطرحوا السؤال الأكثر بساطة والأكثر إحراجاً:

ماذا أنجزتم أنتم تحديداً؟

وإذا لم تكن الإجابة واضحة، فقد لا تنفع كثرة الأرقام ولا ضخامة الأغلفة المالية في منع الصندوق من تقديم الإجابة الخاصة به.

ففي نهاية المطاف، المشاريع يمكن أن تُحصى بالمليارات، لكن الأصوات لا تُشترى بالأرقام وحدها.

Banner Narsa
المقال التالي