ملايين الدراهم ومرافق استراتيجية.. تقرير الحسابات يكشف الوجه الآخر لصفقات المرابد والأسواق بإنزكان


وضع تقرير للمجلس الأعلى للحسابات طريقة تدبير عدد من المرافق والصفقات بجماعة إنزكان تحت المجهر، بعدما رصد مجموعة من الاختلالات المرتبطة بشروط طلبات العروض، وتمديد العقود، واحتكار عدد محدود من الشركات لجزء مهم من المرافق الجماعية.
وتكتسي هذه الملاحظات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المرافق المعنية، والتي ترتبط مباشرة بمداخيل الجماعة وبأنشطة اقتصادية حيوية، من أسواق الخضر والفواكه والمجازر وسوق البهائم، وصولاً إلى عقود التدبير المفوض التي تمتد لسنوات طويلة.
شركات محدودة تهيمن على مرافق الجماعة
بحسب ما أورده التقرير، كشفت فحوصات المجلس الأعلى للحسابات وجود شبكة من الشركات تهيمن على معظم الصفقات المرتبطة بمرافق جماعة إنزكان، مع الإشارة إلى أن ملكية عدد من هذه الشركات تعود إلى أفراد من عائلة واحدة وشركائهم.
كما جرى توزيع هذه الشركات، وفق المعطيات الواردة في التقرير، عبر تجمعات مشتركة للتنافس والسيطرة على عدد من الأسواق والمرافق، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول مدى توفر منافسة حقيقية وواسعة في الصفقات العمومية.
ولا يتعلق الأمر بمرفق واحد أو صفقة منفردة، بل بمجموعة من الأنشطة التي تمثل مورداً مالياً مهماً للجماعة، ما يجعل طبيعة المنافسة وشروط الولوج إلى هذه الصفقات مسألة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمال العام.
شروط مالية قد تضيق دائرة المنافسة
من بين الملاحظات المثيرة التي أوردها التقرير، اعتماد دفاتر التحملات وأنظمة الاستشارة على شروط اعتبرها المجلس مؤدية إلى إغلاق باب المنافسة أمام عدد من المتنافسين.
ومن أبرز هذه الشروط إلزام المتنافسين بإيداع شيك يضمن بشكل كامل مبلغ الإيجار السنوي، الذي يتجاوز في بعض الصفقات 18 مليون درهم، إلى جانب مضاعفة مبالغ الضمان المؤقت.
مثل هذه الشروط تطرح تساؤلات حول قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على دخول المنافسة، خصوصاً عندما تكون القيمة المالية للضمانات المطلوبة مرتفعة إلى درجة تجعل المشاركة في طلبات العروض حكراً عملياً على الشركات التي تتوفر على إمكانيات مالية كبيرة.
31 ملحقاً إضافياً و6 سنوات من الاستغلال المجاني
الأكثر إثارة في التقرير يرتبط بتمديد عدد من العقود بعد انتهاء مدتها.
فوفق المعطيات الواردة فيه، تم إبرام 31 ملحقاً إضافياً لأصل 53 عقد إيجار، استفادت بموجبها بعض الشركات من سنوات إضافية من الاستغلال المجاني، وخارج إطار المنافسة.
وهنا تبرز واحدة من أكثر النقاط حساسية: عندما ينتهي عقد كان موضوع منافسة، فإن تمديده لفائدة المستفيد نفسه، دون فتح المجال أمام متنافسين آخرين، يمكن أن يحرم الجماعة من فرصة اختبار السوق والحصول على شروط مالية أفضل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كم كانت ستدر هذه المرافق على خزينة جماعة إنزكان لو أعيد طرحها للمنافسة في كل مرة انتهت فيها العقود؟
تمديدات متكررة لعقود مرافق كبرى
لم تتوقف الملاحظات عند هذا الحد، إذ أشار التقرير إلى تمديد استغلال مرفقين كبيرين ثلاث مرات متتالية عبر ملاحق تعاقدية.
ويبرز التقرير أن هذه التمديدات جاءت في تعارض مع البنود التعاقدية التي كانت تحصر التمديد في مرة استثنائية واحدة، على ألا تتجاوز مدته شهرين.
هذه النقطة بالذات تفتح نقاشاً واسعاً حول حدود استعمال الملاحق التعاقدية: هل يفترض أن تكون وسيلة استثنائية لتدبير ظروف طارئة، أم يمكن أن تتحول عملياً إلى آلية لإطالة عمر العقود وإبعادها عن المنافسة من جديد؟
حين تنسحب المنافسة بسبب شروط الصفقة
التقرير يتوقف كذلك عند طريقة تحديد الواجبات المالية، مشيراً إلى غياب الدراسات التقنية والمالية التي تحدد الحد الأدنى للواجبات السنوية، واعتماد اللجان على تقديرات جزافية.
وعندما حاولت الإدارة رفع الأثمان بناء على تقديرات جغرافية، كان المتنافس الوحيد يقطع العملية العملية وينسحب بدعوى عدم الجدوى، ما دفع المجلس إلى خفض الثمن مجدداً وإسناد الصفقة وفق شروط العارض المحتكر، بحسب ما ورد في التقرير.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد أرقام في دفتر تحملات، لأنها تتعلق بقدرة الجماعة على تعظيم مداخيلها من ممتلكاتها ومرافقها بدل الاكتفاء بصفقات محدودة المنافسة.
جماعة يقودها التجمع الوطني للأحرار أمام أسئلة الحسابات
ووجود المجلس الأعلى للحسابات على خط هذه الملفات يجعل المسؤولية السياسية والإدارية عن تدبير المرحلة محل اهتمام الرأي العام المحلي، ليس من باب توجيه اتهامات شخصية، وإنما من زاوية الحق في معرفة كيف جرى تدبير مرافق جماعية تدر مداخيل مهمة، ولماذا انتهت بعض العقود إلى تمديدات متكررة، وكيف تم ضمان المنافسة بين المتعاملين الاقتصاديين؟
فالمنتخبون، وفي مقدمتهم رئيس المجلس رشيد المعيفي، مطالبون بتقديم توضيحات للرأي العام حول كيفية التعامل مع الملاحظات الواردة في تقارير الرقابة، وما إذا كانت الجماعة قد اتخذت إجراءات لتصحيح الاختلالات وضمان عدم تكرارها.
المال العام في قلب النقاش
المسألة في النهاية لا تتعلق فقط بخلاف إداري حول طريقة إبرام عقد أو تمديده، وإنما بمرافق جماعية يفترض أن تعود مداخيلها بالنفع على سكان إنزكان.
فكل سنة إضافية من استغلال مرفق دون منافسة جديدة تعني عملياً تفويت فرصة أمام الجماعة لاختبار عروض جديدة، وربما الحصول على مقابل مالي أعلى وشروط أفضل.
وبالتالي، فإن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل استفادت جماعة إنزكان فعلاً من الإمكانيات المالية التي توفرها مرافقها، أم أن طريقة تدبيرها للصفقات والعقود حرمت خزينة الجماعة من مداخيل كان يمكن تحصيلها في ظل منافسة حقيقية؟
وتبقى هذه الأسئلة، إلى جانب الملاحظات التي سجلها المجلس الأعلى للحسابات، في انتظار توضيحات مسؤولي جماعة إنزكان، خصوصاً أن الأمر يتعلق بممتلكات ومرافق عمومية وبأموال يفترض أن يكون تدبيرها محكوماً بأقصى درجات الشفافية والمنافسة وحماية المصلحة العامة.





تعليقات