عاجل: التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة


لم يعد السؤال المطروح، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، هو ما إذا كان التجمع الوطني للأحرار قادراً على الدفاع عن حصيلة حكومته، بل أصبح السؤال الأكثر إزعاجا لقيادة الحزب هو: هل يستعد الأحرار للانتقال من مقاعد الحكومة إلى المعارضة؟
فبعد سنوات من تدبير الشأن الحكومي، يجد الحزب نفسه أمام حصيلة ثقيلة من الانتقادات، وتراجع واضح في منسوب الثقة، وصعوبات كبيرة في التواصل السياسي، فضلاً عن تداعيات صراعات داخلية بدأت تخرج إلى العلن، فيما يتحرك حزب الأصالة والمعاصرة بقوة لاستقطاب مرشحين ووجوه انتخابية استعدادا لمعركة 2026.
وفي هذا السياق، تبدو كلمة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وعضو التجمع الوطني للأحرار، في لقاء وجدة يوم أمس الجمعة، أقرب إلى محاولة للدفاع عن تجربة سياسية محاصرة بالأسئلة أكثر منها إعلاناً عن انتصار حكومي مكتمل الأركان.
أخنوش يتحدث عن الأرقام.. والمواطن يتحدث عن السوق
قدم أخنوش مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للدفاع عن حصيلة الحكومة، فتحدث عن النمو، وانخفاض التضخم، ومدارس الريادة، وتوسيع تكوين الأطباء، وفرص الشغل والحماية الاجتماعية.
لكن المشكلة أن المواطن لا يقيس أداء الحكومة بجداول المؤشرات وحدها.
يمكن ببساطة النزول إلى السوق، أو إلى متجر الحي، أو الحديث مع أسرة مغربية متوسطة الدخل، لفهم حجم الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع اليومي.
المواطن الذي ارتفعت أمامه كلفة الغذاء، والنقل، والسكن، والخدمات، لا يحتاج إلى خطاب اقتصادي طويل حتى يعرف إن كانت قدرته الشرائية تحسنت أم تراجعت.
وهنا تحديدا تبدو حجة «الأرقام» عاجزة عن إخفاء السؤال الأكبر: إذا كانت المؤشرات الاقتصادية تتحسن بهذا الشكل الذي تصفه الحكومة، فلماذا لا يشعر المواطن بتحسن مماثل في حياته اليومية؟
«الإصلاحات لم تكتمل».. ولكن ماذا عن السنوات التي مضت؟
يطلب أخنوش من المغاربة منح حزبه ولاية جديدة لاستكمال الإصلاحات.
لكن هذا الخطاب يطرح سؤالا مشروعا: كم يحتاج الإصلاح حتى يصبح المواطن قادرا على رؤية أثره؟
الحكومة أمضت ولايتها في تنفيذ عدد من الأوراش، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، غير أن تقييم الحصيلة لا يتم فقط بعدد المشاريع التي أطلقت، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي على حياة المواطنين.
فعندما يصبح الغلاء عنوانا دائماً للنقاش العمومي، وعندما يستمر ملف التشغيل في إنتاج الأرقام المتضاربة، وعندما يتحول التواصل الحكومي نفسه إلى مصدر للأزمات السياسية، فإن الحديث عن «استكمال الإصلاحات» يصبح بحاجة إلى أكثر من مجرد عرض للأرقام.
المواطن يريد نتيجة ملموسة، لا وعدا جديدا.
التسريب الذي فضح «الانسجام الحكومي»
أما التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، فقد فتح بابا آخر أكثر حساسية.
أخنوش حاول نقل النقاش من مضمون التسجيل إلى شرعية النقاشات الداخلية، معتبراً أن الأحزاب تحتاج إلى فضاءات للنقاش الحر، وأن الاختلاف حول القطاعات والأسماء أمر طبيعي.
من حيث المبدأ، لا خلاف على ذلك.
لكن المشكلة السياسية تكمن في أن التسريب أظهر للرأي العام أن الصورة التي تقدمها الأغلبية عن انسجامها ليست بالضرورة كاملة.
فإذا كانت المفاوضات حول الحقائب والأسماء وتقييم أداء الوزراء وتحديد الأولويات تجري بهذه الحساسية داخل المؤسسات الحزبية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمشروعية النقاش، وإنما بما إذا كانت الأغلبية الحكومية كانت منسجمة فعلاً طوال الولاية أم أن جزءاً من خلافاتها ظل مخفيا خلف خطاب رسمي موحد.
والأخطر أن خروج هذا النقاش إلى العلن، في توقيت انتخابي بالغ الحساسية، قد يمنح خصوم الأحرار مادة سياسية جاهزة للهجوم.
من «حزب الحكومة» إلى حزب مهدد بالتصويت العقابي؟
بعد سنوات من تصدر المشهد الحكومي، يبدو التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار انتخابي غير مسبوق.
فالحزب الذي دخل تجربة 2021 برصيد انتخابي وسياسي مهم، يواجه اليوم احتمال أن يتحول إلى عنوان للتصويت العقابي لدى فئات من الناخبين.
وهذا الاحتمال لا يرتبط فقط بأخنوش، وإنما أيضاً بأداء عدد من الوزراء والمسؤولين المنتمين إلى الحزب، وبطريقة تواصلهم مع المواطنين، وبالأزمات التي رافقت تدبير عدد من القطاعات.
ففي السياسة، لا يكفي أن تكون لديك حصيلة مكتوبة؛ يجب أن تستطيع إقناع المواطن بها.
وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط ضعف التجربة الحكومية الحالية: التواصل لم ينجح دائماً في تحويل الإنجازات التي تتحدث عنها الحكومة إلى شعور عام بالرضا.
بل إن بعض خرجات الوزراء والمسؤولين تحولت في مناسبات مختلفة إلى مادة للسخرية أو الانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي، ما ساهم في اتساع المسافة بين الحزب والمواطن.
أخنوش والصفقات.. ملف يلاحق الصورة السياسية
ثم هناك ملف أكثر حساسية يتعلق بصورة عزيز أخنوش نفسه كرئيس للحكومة ورجل أعمال.
فالرجل واجه، منذ توليه رئاسة الحكومة، انتقادات وأسئلة سياسية وإعلامية مرتبطة بتضارب المصالح، خصوصاً في ملفات مرتبطة بالطاقة والمياه والصفقات العمومية، بما في ذلك مشروع تحلية مياه البحر ومشاريع مرتبطة بقطاع المحروقات.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين الانتقاد السياسي والاتهام القانوني.
فوجود شركات مرتبطة برجال أعمال أو مجموعات اقتصادية في قطاعات تتقاطع مع السياسات الحكومية لا يعني تلقائياً ثبوت مخالفة قانونية. لكن مجرد استمرار هذه الأسئلة دون حسم مقنع بالنسبة إلى جزء من الرأي العام يفرض على الحكومة والحزب تقديم أعلى درجات الشفافية حول تضارب المصالح وتدبير الصفقات.
ذلك أن رئيس الحكومة ليس مجرد سياسي عادي؛ إنه المسؤول الأول عن الجهاز التنفيذي، ولذلك فإن أي شبهة مرتبطة بتداخل المصالح الخاصة والعامة تتحول بسرعة إلى مشكلة سياسية تمس الثقة في المؤسسات.
المنافسون لا ينتظرون الأحرار
في الوقت الذي يحاول فيه الأحرار الدفاع عن حصيلتهم، لا يبدو أن المنافسين يقفون مكتوفي الأيدي.
حزب الأصالة والمعاصرة، على سبيل المثال، دخل في حملة استقطاب واسعة للمرشحين والوجوه الانتخابية، في محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وهذا التحرك قد يشكل ضغطاً حقيقياً على التجمع الوطني للأحرار، خصوصاً في الدوائر التي يعتمد فيها الفوز على قوة المرشح والشبكات الانتخابية أكثر مما يعتمد على الاسم الحزبي وحده.
وفي ظل الحديث داخل بعض مكونات الأحرار عن احتمال الاصطفاف في المعارضة خلال الولاية المقبلة، يبدو أن فرضية مغادرة الحزب للحكومة لم تعد مجرد سيناريو صحفي.
لكن الحسم، بطبيعة الحال، لن يكون داخل الاجتماعات الحزبية، وإنما أمام صناديق الاقتراع.
من يملك مفاتيح المعارضة؟
المفارقة السياسية أن الحزب الذي جاء إلى الحكومة تحت شعار التغيير وتجديد النخب، يجد نفسه اليوم مضطراً للدفاع عن حصيلة ولاية كاملة.
وكلما ارتفعت وتيرة الدفاع عن الحصيلة، ارتفع معها حجم الأسئلة حول ما تحقق فعلاً.
فالحكومة لا تستطيع مطالبة المواطنين بنسيان الأسعار لأن التضخم انخفض، ولا تستطيع مطالبتهم بتجاهل البطالة لأن رقم فرص العمل ارتفع، ولا تستطيع اختزال أزمة الثقة في مجرد سوء تواصل.
السياسة في النهاية ليست مسابقة في تقديم الأرقام، وإنما امتحان في قدرة المواطن على لمس أثر القرارات الحكومية في حياته.
«الأحرار إلى المعارضة».. هل بدأت ملامح السيناريو؟
قد يكون من المبكر الجزم بأن التجمع الوطني للأحرار سيتجه فعلاً إلى المعارضة بعد انتخابات 2026.
فالانتخابات لم تحسم بعد، والتحالفات لا تُبنى قبل ظهور النتائج، والناخب المغربي قادر على قلب الكثير من الحسابات في يوم الاقتراع.
لكن المؤشرات السياسية الحالية تجعل سيناريو المعارضة قابلا للنقاش بجدية.
تراجع الشعبية، ضعف التواصل، الانتقادات الموجهة إلى أداء عدد من الوزراء، الجدل حول غلاء الأسعار والقدرة الشرائية، تداعيات التسريب الداخلي، صعود المنافسين، واستقطاب المرشحين، كلها عوامل تجعل مهمة الأحرار في الحفاظ على موقعهم الحكومي أكثر صعوبة مما كانت عليه عند وصولهم إلى السلطة.
ولذلك فإن معركة التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات المقبلة لن تكون فقط من أجل الفوز بمقاعد جديدة.
إنها ستكون معركة للدفاع عن خمس سنوات من التدبير الحكومي، وعن صورة حزب ارتبط اسمه بالحكومة، وعن رئيس حكومة أصبح هو الآخر جزءا من النقاش الانتخابي رغم أنه لم يعد رئيسا للحزب.
وقد تكون المفارقة الكبرى أن أخنوش، وهو يطلب من المغاربة منح الأحرار ولاية جديدة لاستكمال الإصلاحات، يجد نفسه أمام ناخبين قد يجيبونه برسالة مختلفة تماماً:
لقد جربناكم.. والآن نريد أن نجرب غيركم.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيعود التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة؟
بل: هل بدأ العد التنازلي لانتقال الأحرار إلى المعارضة؟





تعليقات