“بنات قياديين” يتصدرن لوائح حزب الاستقلال.. هل تحولت التزكيات إلى إرث عائلي؟


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأ حزب الاستقلال يكشف عن اختياراته المتعلقة باللوائح الجهوية، لكن بعض الأسماء التي حظيت بالتزكية فتحت، منذ الآن، نقاشاً حاداً حول المعايير التي تحكم توزيع المقاعد داخل الحزب، بعدما برزت بشكل لافت أسماء تنحدر من عائلات سياسية استقلالية أو ترتبط بصلة قرابة مباشرة ببرلمانيين وقياديين.
المثير في الأمر أن الأمر لا يتعلق بحالة منفردة، بل بخمس مرشحات، وفق المعطيات المتوفرة، تجمعهن صلات عائلية مباشرة أو غير مباشرة بشخصيات سياسية معروفة داخل الحزب، ما جعل سؤالاً واحداً يفرض نفسه بقوة: هل أصبحت التزكية الانتخابية تحتاج إلى برنامج انتخابي، أم يكفي أن تحمل المرشحة اسم العائلة المناسب؟
خمس مرشحات.. وخيط عائلي يجمع الاختيارات
ضمن الأسماء التي حظيت بالتزكية، تبرز مرشحات تربطهن علاقات قرابة ببرلمانيين أو شخصيات استقلالية، وهو ما أعاد إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل الأحزاب السياسية المغربية: نفوذ العائلات السياسية في صناعة المرشحين والمرشحات.
وبدل أن ينحصر النقاش حول البرامج والأفكار والحضور الميداني والقدرة على استقطاب الناخبين، وجد الاستقلاليون أنفسهم أمام سؤال مختلف تماماً: هل نحن أمام تجديد للنخب، أم أمام إعادة تدوير للأسماء نفسها ولكن بوجوه جديدة؟
جهة الشرق.. ابنة برلماني على رأس اللائحة
في جهة الشرق، منح حزب الاستقلال تزكيته للطيفة الطيبي، ابنة محمد الطيبي، النائب البرلماني عن دائرة الناظور خلال الولاية التشريعية 2021-2026، وأحد الوجوه السياسية المعروفة بالإقليم.
الاختيار يطرح، بطبيعة الحال، تساؤلات حول وزن الحضور الشخصي للمرشحة مقارنة بالرصيد السياسي والعائلي الذي تحمله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلائحة جهوية يفترض أن تعكس مختلف مكونات الجهة وأن تستند إلى معايير واضحة في اختيار مرشحيها.
بني ملال خنيفرة.. التزكية تنتقل من الأب إلى الابنة
في جهة بني ملال خنيفرة، اختار حزب الاستقلال هالة زكراني لقيادة لائحته الجهوية، وهي ابنة محمد زكراني، النائب البرلماني عن دائرة خريبكة خلال الولاية التشريعية الحالية.
محمد زكراني سبق أن خاض تجربته البرلمانية باسم حزب الاتحاد الدستوري، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى حزب الاستقلال ويواصل مساره الانتخابي من داخله.
وهنا أيضاً يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يكفي الرصيد السياسي للأب لفتح الطريق أمام الأبناء نحو الواجهة الانتخابية؟
كما أن ارتباط النشاط المهني للمرشحة بمدينة الدار البيضاء يفتح نقاشاً إضافياً حول طبيعة حضور المرشحين ميدانياً داخل الجهات التي يسعون إلى تمثيلها، في وقت توجد فيه أسماء محلية تشتغل منذ سنوات داخل التنظيمات الحزبية وتراهن على التزكية باعتبارها ثمرة لمسار تنظيمي وميداني طويل.
سوس ماسة.. عائلة قيوح حاضرة من جديد
أما في جهة سوس ماسة، فقد وقع الاختيار على كنزة قيوح، ابنة البرلمانية السابقة زينب قيوح، المنتمية إلى عائلة لها حضور بارز داخل حزب الاستقلال.
وزينب قيوح هي شقيقة عبد الصمد قيوح، القيادي الاستقلالي والبرلماني، فيما سبق لوالدهما الراحل علي قيوح أن شغل بدوره مقعداً بمجلس النواب.
وبذلك، يجد الناخب السوسي نفسه أمام اسم ينتمي إلى عائلة راكمت حضوراً سياسياً داخل الحزب على مدى سنوات، وهو ما يجعل التزكية الجديدة محكومة تلقائياً بمقارنة بين الرصيد العائلي والرصد الميداني للمرشحة نفسها.
واللافت كذلك أن نشاط كنزة قيوح المهني ارتبط بمدينة الدار البيضاء، حيث ظهرت خلال سنة 2026 ضمن مؤسسات “Collectif 4.0” من خلال أنشطة ثقافية احتضنتها العاصمة الاقتصادية، الأمر الذي زاد من حدة التساؤلات داخل بعض الأوساط المحلية بشأن مدى حضورها التنظيمي والميداني داخل جهة سوس ماسة.
مراكش آسفي.. قرابة أخرى تدخل السباق
وفي جهة مراكش آسفي، منح الحزب تزكيته لسلمى أحلوش، القريبة من عبد الرزاق أحلوش، النائب البرلماني الاستقلالي عن دائرة المنارة بمراكش خلال الولاية التشريعية الحالية.
ومرة أخرى، تظهر صلة القرابة في مشهد التزكيات، لتتسع دائرة التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاختيارات مجرد مصادفة سياسية، أم أنها تعكس فعلاً استمراراً لنمط معين في صناعة النخب الانتخابية داخل الحزب.
«تكافؤ الفرص» أمام امتحان التزكيات
المشكلة هنا لا تكمن في كون المرشحة ابنة برلماني أو شقيقة قيادي أو قريبة من شخصية سياسية؛ فالانتماء إلى عائلة سياسية ليس جريمة ولا عيباً في حد ذاته.
لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر المناضلون المحليون بأن اسم العائلة يمكن أن يكون أسرع طريق نحو التزكية من سنوات العمل التنظيمي والنضال الميداني.
فالأحزاب السياسية مطالبة بتقديم تفسير مقنع للرأي العام ولمناضليها حول المعايير التي اعتمدتها في اختيار الأسماء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلوائح يفترض أن تقدم وجوهاً قادرة على تمثيل المواطنين، وليس فقط إعادة إنتاج شبكات النفوذ السياسي.
«توريث المقاعد».. اتهام يطارد الأحزاب
هذه الاختيارات أعادت إلى النقاش داخل بعض التنظيمات المحلية مصطلحات من قبيل “توريث المقاعد” و”العائلات السياسية”، في ظل انتقادات تطالب بأن تكون الكفاءة والحضور التنظيمي والميداني والقدرة على التواصل مع المواطنين هي المحددات الأساسية للحصول على التزكية.
أما أن تتكرر صلات القرابة في عدد من اللوائح، ثم يُطلب من المناضل العادي أن يقتنع بأن الأمر مجرد صدفة، فذلك قد يكون أصعب من إقناعه بأن الانتخابات لا تحتاج إلى ناخبين!
وفي النهاية، يبقى التحدي أمام حزب الاستقلال هو تقديم أجوبة واضحة لمناضليه وللرأي العام: هل فتحت أبواب التزكيات أمام الكفاءات الجديدة فعلاً، أم أن الطريق ما زال أقصر بالنسبة لمن يحمل لقباً عائلياً له وزنه داخل الحزب؟
فالانتخابات المقبلة لن تكون اختباراً للمرشحين فقط، بل ستكون أيضاً اختباراً للأحزاب نفسها: هل تستطيع إنتاج نخب جديدة، أم أنها ستظل تدور في الحلقة نفسها، حيث تنتقل المواقع السياسية من جيل إلى جيل تحت شعار التجديد؟





تعليقات