الأحرار يهاجمون “خطف المرشحين”.. هل نسي الحزب ما فعله في انتخابات 2021؟


مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار رفع نبرة خطابه ضد ما وصفه قياديوه بـ”خطف المرشحين” و”سوق الانتقالات السياسية”، في انتقادات تبدو موجهة بشكل خاص إلى عدد من الأحزاب المنافسة، وبينها شركاء الحزب في الأغلبية الحكومية.
محمد أوجار، القيادي في التجمع الوطني للأحرار، قال إن حزبه سيخوض المحطة الانتخابية المقبلة اعتماداً على قواعده ومناضليه، بعيداً عن ما سماه “سوق الانتقالات السياسية”، منتقداً محاولات استقطاب المرشحين وتفكيك البنى الحزبية قبيل الانتخابات.
لكن هذه التصريحات تفتح الباب أمام سؤال سياسي مشروع: هل يتعلق الأمر فعلاً بالدفاع عن تخليق الحياة السياسية، أم أن الحزب يخشى هذه المرة من أن تنقلب عليه الممارسات التي استفاد منها في انتخابات 2021؟
ذاكرة 2021 تعيد خطاب “الاستقطاب” إلى الواجهة
فالانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021 جرت في سياق اتسم باستقطاب واسع للوجوه والمنتخبين والمرشحين، وكان التجمع الوطني للأحرار أحد أبرز المستفيدين من هذه الدينامية، بعدما تمكن من تعزيز حضوره في عدد من الدوائر والمجالس واستقطاب أسماء سياسية كانت تنتمي إلى أحزاب أخرى.
وبالتالي، فإن الحديث اليوم عن “خطف المرشحين” لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن تلك المرحلة. فإذا كان انتقال السياسيين بين الأحزاب يُعتبر اليوم ممارسة تضر بالبنيات الحزبية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان الموقف نفسه قائماً عندما كان الأحرار هو الطرف المستفيد من هذه الانتقالات؟
محمد شوكي.. من “الانتقال السياسي” إلى قيادة الحزب
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بمحمد شوكي، الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان في مرحلة سابقة ضمن صفوف حزب الأصالة والمعاصرة قبل أن يتم استقطابه إلى الأحرار.
ومن هنا، فإن حديث قيادة الحزب عن رفض “سوق الانتقالات السياسية” يضعها أمام اختبار الاتساق السياسي. فانتقال سياسي من حزب إلى آخر لا يصبح بالضرورة ممارسة غير أخلاقية لمجرد أن الوجهة أصبحت حزباً منافساً.
وإذا كان شوكي نفسه قد انتقل من الأصالة والمعاصرة إلى الأحرار، فإن الذاكرة السياسية تجعل من الصعب التعامل مع ظاهرة الانتقالات وكأنها وليدة المرحلة الحالية فقط.
المشكلة ليست في المرشحين.. بل في جاذبية التجربة الحكومية
لكن القضية الأعمق قد لا تكون مرتبطة بالمرشحين وحدهم، وإنما بصورة حزب التجمع الوطني للأحرار بعد سنوات من قيادة الحكومة.
فالحزب الذي دخل انتخابات 2021 بخطاب يقوم على التغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، أصبح اليوم مطالباً بتقديم حساب سياسي واضح عن حصيلة الولاية الحكومية. ومع اقتراب الانتخابات، لم يعد استقطاب السياسيين مرتبطاً فقط بالقدرة التنظيمية أو بالإمكانات الانتخابية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى جاذبية الحزب الذي يقود الحكومة.
ومن هذه الزاوية، فإن نفور بعض السياسيين أو المنتخبين من الحزب، إن ثبت، لا يمكن تفسيره فقط بمحاولات “خطف” من الخارج، بل قد يكون مرتبطاً أيضاً بتقييمهم لمدى نجاح التجربة الحكومية وقدرتها على الاستمرار انتخابياً.
فشل التدبير الحكومي قد يتحول إلى عبء انتخابي
التجمع الوطني للأحرار يقود الحكومة، وبالتالي يصعب عليه فصل نفسه عن حصيلتها. فالأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع انتظارات المواطنين، والجدل حول عدد من السياسات الحكومية، كلها ملفات ستجد طريقها إلى الحملة الانتخابية المقبلة.
ولهذا، فإن محاولة تحميل المنافسين مسؤولية “الانتقالات السياسية” قد لا تكون كافية لتفسير ما يجري داخل الخريطة الحزبية. فحين تتراجع جاذبية حزب يقود الحكومة، يصبح بعض المرشحين أكثر حذراً في تحديد مستقبلهم السياسي، وقد يبدأون في البحث عن مواقع يرون أنها تمنحهم فرصاً انتخابية أفضل.
“حمى الانتخابات تمحو ذاكرة البعض”.. لكن ذاكرة الناخب لا تمحو
محمد شوكي قال إن “حمى الانتخابات تمحو ذاكرة البعض”، في إشارة إلى شركاء الأحرار في الأغلبية الذين ينتقدون أو يتبرؤون من بعض جوانب الحصيلة الحكومية.
لكن هذه العبارة يمكن أن تنقلب على صاحبها أيضاً، لأن الذاكرة الانتخابية لا تخص الأحزاب وحدها، بل تخص الناخبين كذلك.
فالناخب الذي صوت سنة 2021 لا يُطلب منه فقط أن يتذكر مواقف الأحزاب، بل أن يقارن بين الوعود التي قُدمت له وبين ما تحقق على أرض الواقع. والحزب الذي قاد الحكومة طوال الولاية سيكون بالضرورة في قلب هذا التقييم.
من يتحمل مسؤولية الحصيلة؟
يقول الأحرار إن الحكومة ليست حكراً على حزب واحد، وإن شركاء الأغلبية مطالبون بتحمل مسؤولياتهم كاملة. وهذا صحيح من الناحية السياسية، لأن الحكومة ائتلافية بالفعل.
لكن في المقابل، فإن التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الذي يقود الحكومة، ورئيس الحكومة ينتمي إليه، ولذلك فإن تحميل الشركاء المسؤولية لا يمكن أن يلغي مسؤولية الحزب الأكبر عن الحصيلة العامة.
وهنا تبرز المفارقة: الأحرار يريد من شركائه ألا يتبرؤوا من الحكومة، لكنه في الوقت نفسه مطالب بألا يتبرأ هو من نتائج قيادته لها.
المعركة الحقيقية بدأت قبل موعد الانتخابات
في نهاية المطاف، يبدو أن الجدل حول “خطف المرشحين” ليس سوى وجه واحد لمعركة انتخابية بدأت مبكراً. فالأحزاب تتنافس على المرشحين والقواعد والنفوذ، لكنها تتنافس أيضاً على رواية الحصيلة الحكومية ومن يتحمل مسؤوليتها.
والأحرار، الذي استفاد في انتخابات 2021 من موجة استقطاب واسعة، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف: حصيلته الحكومية أصبحت جزءاً من رصيده الانتخابي، وأي تراجع في جاذبيته السياسية لا يمكن تفسيره فقط بمؤامرات المنافسين أو بسوق الانتقالات.
فالانتخابات المقبلة لن تحسمها أسماء المرشحين وحدها، وإنما سؤال أكبر: ماذا تحقق خلال الولاية الحكومية، ومن يتحمل مسؤولية ما تحقق وما لم يتحقق؟
وهنا تحديداً سيكون التجمع الوطني للأحرار أمام الاختبار الأصعب، لأن الحزب الذي قاد الحكومة لسنوات لن يستطيع أن يطلب من الناخبين محاسبة الآخرين فقط، فيما يبقى هو بمنأى عن الحساب.



تعليقات