آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

هكذا احتفل مغاربة سبتة المحتلة بذكرى المولد النبوي.. مناسبة دينية تحولت إلى رمز لحماية الهوية المغربية

Banner Narsa

تحتل ذكرى المولد النبوي مكانة خاصة في الذاكرة الدينية والثقافية للمغاربة، حيث تحولت المناسبة، على امتداد قرون، إلى محطة للاحتفال بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، واستحضار تعاليمه وقيمه، في طقوس تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي في إبراز مكانة هذه الذكرى لدى المجتمع المغربي.

وترتبط قصة الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب بشكل وثيق بمدينة سبتة، التي لعبت دورا بارزا في تاريخ هذه المناسبة، بعدما جعلتها إمارة بني العزفي، التي كانت تحكم المدينة خلال القرن السادس الهجري، مناسبة دينية ذات أبعاد تتجاوز الاحتفال إلى حماية الهوية الإسلامية للمدينة، في ظل موقعها الجغرافي الذي جعلها ملتقى لمختلف الثقافات والديانات.

وتشير روايات تاريخية إلى أن بني العزفي سعوا من خلال إحياء المولد النبوي إلى تعزيز الخصوصية الإسلامية لسبتة، في مواجهة التأثيرات الثقافية والدينية المحيطة بها. ويرى المؤرخ المغربي الراحل عبد الهادي التازي أن الاحتفال اكتسب في سبتة بعدا حضاريا وسياسيا، بينما يرى الباحث محمد شقير أن المناسبة شكلت أيضا ردا ثقافيا على احتفالات دينية كانت حاضرة في البيئة المسيحية واليهودية المحيطة بالمدينة.

ولم يكن الاحتفال، وفق هذه القراءات التاريخية، مجرد طقس ديني، بل ارتبط أيضا بهاجس الحفاظ على هوية مجتمع مسلم يعيش في مدينة تجارية مفتوحة على ثقافات متعددة. ولهذا اكتسبت المناسبة زخما خاصا، قبل أن تنتقل تدريجيا من سبتة إلى باقي مناطق المغرب.

وبعد أقل من قرن على انطلاق هذا التقليد في سبتة، انتقل الاحتفال بالمولد النبوي إلى مركز الدولة المغربية في عهد بني مرين، حيث صدر سنة 691 هجرية، الموافق لـ1292 ميلادية، مرسوم يجعل المناسبة حدثا رسميا في المغرب. ومنذ ذلك الحين، أخذ الاحتفال بالمولد النبوي مكانة متقدمة ضمن المناسبات الدينية والاجتماعية في البلاد.

وتربط بعض القراءات التاريخية اعتماد المناسبة أيضا بالسياق السياسي والديني الذي كان يعيشه المغرب آنذاك، سواء في مواجهة التأثيرات القادمة من الأندلس أو في إطار سعي الدولة المرينية إلى تعزيز شرعيتها وتوحيد المجتمع حول رموز دينية جامعة.

ومع مرور الزمن، انتقلت مظاهر الاحتفال من سبتة إلى مناطق أخرى في المغرب، ثم امتدت إلى الجزائر وتونس، حيث تطورت طقوسها بحسب الخصوصيات المحلية. وكانت الكتاتيب والمدارس القرآنية من أبرز الفضاءات التي احتضنت هذه المناسبة، من خلال تعليم الأطفال السيرة النبوية وترديد الأمداح وإحياء الليالي الدينية.

وفي المغرب، حافظ المولد النبوي على حضوره إلى اليوم، وأصبح مناسبة رسمية تتوقف خلالها الإدارات العمومية والخاصة، كما تقام احتفالات دينية في مختلف المدن والقرى، خصوصا داخل الزوايا والمجالس الدينية، حيث تتردد الأمداح النبوية وتقام جلسات الذكر والدعاء.

كما تحولت المناسبة إلى موعد رسمي يحضر فيه مسؤولو الدولة وممثلو الدول الإسلامية، إلى جانب تقاليد أخرى ارتبطت بها، من بينها العفو الملكي عن عدد من السجناء بمناسبة المولد النبوي، في سياق ديني واجتماعي يربط المناسبة بقيم الرحمة والتسامح والإحسان.

ورغم المكانة التي يحظى بها المولد النبوي لدى شريحة واسعة من المسلمين، فإن الاحتفال بهذه الذكرى ظل موضوعا للنقاش بين العلماء والتيارات الدينية. فهناك من يرفض الاحتفال باعتباره ممارسة لم تكن موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين، ويرى فيها بدعة مستحدثة، خصوصا عندما ترافقها بعض الممارسات التي يعتبرها أصحاب هذا الرأي مخالفة للتعاليم الدينية.

في المقابل، يرى المؤيدون أن الاحتفال بالمولد النبوي يمكن أن يكون مناسبة لاستحضار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه، وتعريف الأجيال الجديدة بأخلاقه وسنته، فضلا عن ارتباط المناسبة لدى كثير من المجتمعات بأعمال الخير والصدقة وإطعام الطعام وصلة الرحم.

وهكذا، فإن قصة المولد النبوي في المغرب لا تختزل في ليلة للاحتفال أو طقوس دينية متوارثة، بل تمتد جذورها إلى سبتة، حيث ارتبطت منذ قرون بهاجس الحفاظ على الهوية الإسلامية والثقافية. ومن هناك انتقلت إلى باقي أنحاء المغرب، لتتحول مع الزمن إلى واحدة من أبرز المناسبات الدينية التي توارثتها الأجيال، فيما بقيت سبتة حاضرة في أصل الحكاية التاريخية لهذه الذكرى.

Banner Narsa
المقال التالي