الداخلة بين إنزال الأحرار والبام وصراخ المهمشين.. أين كانت المنافسة حين كانت المدينة تنتظر التنمية؟


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأت مدينة الداخلة تستعيد موقعها كواحدة من أبرز الساحات التي تستقطب اهتمام الأحزاب السياسية، بعدما دخل حزبا الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار في سباق واضح لاستعراض قوتهما الانتخابية بالمدينة وإقليم أوسرد.
قيادات وطنية ستصل إلى الداخلة، ومرشحون يتم تقديمهم، وقواعد حزبية يجري تعبئتها، ورسائل انتخابية تستعد للرفع من منسوب الحضور السياسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة.
لكن وسط كل هذا الحماس الانتخابي، يفرض سؤال نفسه بقوة:
أين كان هذا التنافس عندما كانت الداخلة تحتاج إلى تنافس حقيقي حول التنمية وفرص الشغل وتحسين أوضاع السكان؟
فالحزبان اللذان يستعدان اليوم لخوض مواجهة انتخابية قوية في الداخلة يجتمعان أصلاً داخل الحكومة الحالية، التي تقترب ولايتها من نهايتها.
وبالتالي، فإن من حق سكان المدينة أن يسألوا: ماذا قدمت هذه الشراكة الحكومية للداخلة خلال السنوات الماضية؟ وما الذي تغير فعلياً في حياة المواطنين حتى تتحول المدينة اليوم إلى وجهة مفضلة للقيادات الحزبية مع اقتراب موعد الاقتراع؟
الداخلة.. مدينة استراتيجية لكن بأسئلة اجتماعية مؤجلة
لا أحد يجادل في المكانة الاستراتيجية التي تحظى بها الداخلة.
فالمدينة تقع في موقع جغرافي استثنائي، وتتوفر على مؤهلات اقتصادية وسياحية وبحرية كبيرة، كما أنها تحظى بأهمية خاصة في الرؤية الوطنية لتنمية الأقاليم الجنوبية.
لكن الصورة على الأرض لا تختزل في المشاريع الكبرى والشعارات الاستثمارية.
فالسكان، خصوصاً الشباب، يواجهون سؤالاً أكثر مباشرة: أين هي فرص الشغل؟
فوجود مؤهلات اقتصادية ضخمة لا يعني بالضرورة أن آثارها تصل بالقدر نفسه إلى المواطن العادي.
وفي مدينة يفترض أن تكون إحدى واجهات التنمية بالأقاليم الجنوبية، لا يزال ملف التشغيل من أكثر الملفات التي تحتاج إلى معالجة جدية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الباحثين عن فرصة تمنحهم الاستقرار والاستقلال الاقتصادي.
وهنا يصبح النقاش الانتخابي أكثر جدية عندما ينتقل من أسماء المرشحين إلى حصيلة السياسات العمومية.
الصيد البحري.. ثروة كبيرة وأسئلة أكبر
قطاع الصيد البحري يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي بالداخلة، بالنظر إلى الثروة البحرية التي تزخر بها المنطقة.
لكن القطاع نفسه يطرح عدداً من الأسئلة المرتبطة بالتنظيم والاستفادة العادلة من الثروة، وظروف الاشتغال، وتوزيع القيمة المضافة، ومدى انعكاس النشاط الاقتصادي على سكان المنطقة.
فالمطلوب ليس فقط أن تكون الداخلة منطقة غنية بالثروة البحرية، وإنما أن تتحول هذه الثروة إلى تنمية وفرص شغل واستقرار اجتماعي.
أما أن يبقى المواطن يسمع باستمرار عن الإمكانات الهائلة للجهة، بينما يواصل جزء من الشباب البحث عن العمل، فهذا تناقض يستحق أن يكون في صلب النقاش الانتخابي.
والأهم أن هذه الملفات لم تظهر عشية الانتخابات.
لقد كانت مطروحة خلال السنوات الماضية، وكان بإمكان الحكومة التي يجتمع فيها الأحرار والبام أن تجعلها في مقدمة أولوياتها.
الأحرار والبام.. لماذا يأتي التنافس الآن؟
المعطيات المتداولة تفيد بأن حزب الأصالة والمعاصرة يستعد لإنزال قيادته الوطنية إلى الداخلة يوم 5 شتنبر، لدعم الخطاط ينجا وعبد الفتاح أهل المكي.
وفي المقابل، يستعد التجمع الوطني للأحرار، خلال فترة الحملة الانتخابية، لإرسال عزيز أخنوش وعدد من قيادات الحزب إلى المدينة لدعم ممدو الشين ومحمد لمين حرمة الله.
من حق الحزبين أن يتنافسا.
ومن حق كل حزب أن يسعى إلى الفوز بالمقاعد الانتخابية.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التنافس السياسي إلى استعراض انتخابي موسمي، بينما تبقى الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق السكان في انتظار حلول أكثر وضوحاً.
فالداخلة لا تحتاج فقط إلى قيادات حزبية تصل إليها قبل الانتخابات.
إنها تحتاج إلى مسؤولين يتنافسون على جلب الاستثمارات المنتجة، وخلق فرص الشغل، وتنظيم القطاعات الاقتصادية، وتحسين الخدمات، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كان الأولى أن يتنافسا داخل الحكومة
ربما كان المشهد سيكون أكثر إقناعاً لو أن التنافس بين الأحرار والبام ظهر خلال الولاية الحكومية في شكل تنافس على الإنجاز.
كان يمكن أن يتنافس الحزبان على من يستطيع جذب مشاريع صناعية أكبر إلى الداخلة.
وعلى من يستطيع خلق فرص شغل أكثر للشباب.
وعلى من يستطيع معالجة الاختلالات التي يعرفها قطاع الصيد البحري.
وعلى من يستطيع تحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وعلى من يستطيع جعل الموقع الاستراتيجي للمدينة ورقة حقيقية لجذب الاستثمار وتحويلها إلى قطب اقتصادي يستفيد منه السكان قبل أن يستفيد منه الخطاب السياسي.
لكن الانتخابات اقتربت، فاشتد الحضور السياسي، وبدأت القيادات تستعد للنزول إلى المدينة.
وهنا تحديداً يحق للمواطن أن يتساءل: هل كانت الداخلة تحتاج إلى كل هذا الاهتمام الانتخابي أم كانت تحتاج إليه قبل أشهر وسنوات؟
لا يكفي تغيير الألوان الحزبية
كما أن انتقال بعض الأسماء من حزب إلى آخر، وتغيير مواقع المرشحين، وإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية، كلها أمور تدخل في طبيعة المنافسة السياسية.
لكن المواطن لا يعيش على خريطة التحالفات الحزبية.
هو يعيش على أرض الواقع.
وما يهمه في النهاية هو العمل والدخل والسكن والخدمات والصحة والتعليم والبنيات التحتية وآفاق أبنائه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية في الداخلة لا ينبغي أن تكون حول من يملك أكبر تجمع انتخابي، أو من يستقطب أسماء أكثر، أو أي قيادة وطنية ستصل أولاً إلى المدينة.
المعركة الحقيقية ينبغي أن تكون حول من يملك جواباً مقنعاً عن مستقبل الداخلة.
الداخلة لا تريد موسماً انتخابياً جديداً
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يصبح من المشروع إخضاع حصيلة مختلف الأحزاب المشاركة في الحكومة للنقاش والمساءلة.
فالداخلة ليست مجرد دائرة انتخابية تظهر على أجندة القيادات الوطنية قبل الاقتراع.
إنها مدينة ذات مؤهلات استثنائية، وثروة بحرية كبيرة، وموقع استراتيجي، وسكان لهم الحق في الاستفادة من ثمار التنمية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المهرجانات واللقاءات الانتخابية ليس: من سيفوز؟
بل:
ماذا تحقق للداخلة خلال الولاية الحكومية التي شارك فيها الأحرار والبام؟
وإذا كان الحزبان قادرين اليوم على تعبئة القيادات والمرشحين والقواعد لخوض معركة انتخابية شرسة، فلماذا لا نشهد المستوى نفسه من التعبئة عندما يتعلق الأمر بخلق فرص الشغل وتنظيم الصيد البحري ومعالجة الاختلالات وتحقيق تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
قد تكون صناديق الاقتراع هي التي ستحسم في النهاية بين المرشحين.
لكن قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع، يبقى من حقه أن يضع أمام الأحزاب سؤالاً بسيطاً ومحرجاً في الوقت نفسه:
ماذا فعلتم للداخلة حين كانت لديكم السلطة، وماذا ستفعلون لها إذا منحكم الناخبون فرصة جديدة؟





تعليقات