اتهامات بـ160 مليون سنتيم تهز الاتحاد الاشتراكي.. من يدفع أكثر يفوز بالتزكية؟


دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مرحلة جديدة من الجدل الداخلي، بعد انتقال الخلاف حول طريقة اختيار مرشحات اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات من مجرد اعتراضات تنظيمية إلى استقالة واتهامات متبادلة وتهديد باللجوء إلى القضاء.
فبعد أيام قليلة من توجيه المحامية مريم جمال الإدريسي مراسلة إلى الكاتب الأول إدريس لشكر، طرحت فيها أسئلة حول دور المساهمات المالية في تحديد التزكيات، انتهى المسار بإعلان استقالتها النهائية من الحزب، قبل أن يرد المكتب السياسي بقرار تجريدها من الانتماء الحزبي والتلويح بالمسطرة القضائية.
وبذلك، تحولت قضية التزكيات النسائية إلى واحدة من أكثر الملفات إحراجاً للحزب، خصوصاً مع ظهور طعون واستقالات أخرى من عضوات اتحادية، وتعدد الأسئلة حول معايير الاختيار ومدى حضور العامل المالي في هذه العملية.
من سؤال تنظيمي إلى مواجهة مفتوحة
الإدريسي، التي كانت عضوة في المجلس الوطني والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، لم تكتفِ بتسجيل اعتراض تنظيمي، بل وجهت في 20 غشت مراسلة إلى قيادة الحزب طالبت فيها بفتح تحقيق داخلي.
وبحسب روايتها، فإن مرشحات شاركن في مسطرة التنافس على التزكية أبلغنها بأن لجنة البت طلبت منهن تدوين المبلغ المالي الذي يلتزمن بالمساهمة به في الحملة الانتخابية على ورقة مستقلة.
وتقول الإدريسي إنها أعلنت استعدادها للمساهمة في حدود إمكاناتها، باعتبار ذلك مساهمة نضالية طوعية، لكنها رفضت كتابة مبلغ مالي منفصل عندما طُلب منها ذلك.
ومن هنا بدأ السؤال الأكثر حساسية:
هل كانت المساهمة المالية مجرد مساهمة في تمويل الحملة، أم أنها أصبحت عاملاً مؤثراً في المفاضلة بين المرشحات؟
الإدريسي اعتبرت أن ربط المبلغ بمسطرة التزكية يمكن أن يعطي انطباعاً بأن القدرة المالية قد تتحول إلى عنصر في تحديد الحظوظ الانتخابية.
أرقام مالية تفتح باب التساؤلات
الجدل لم يتوقف عند طبيعة المساهمة، بل امتد إلى حجم الأموال التي تحدثت عنها المعطيات المتداولة.
فقد جرى الحديث عن مبالغ تتراوح بين 140 و160 مليون سنتيم، بينما تحدثت روايات أخرى عن مبالغ تصل إلى 1.4 أو 1.6 مليون درهم.
وهذه الأرقام، في حال ثبوتها، تطرح أسئلة جدية حول طبيعة الأموال ومصدرها ووجهتها وكيفية تسجيلها محاسبياً.
لكن من الضروري التأكيد أن هذه المبالغ تبقى، في غياب وثائق رسمية أو نتائج تحقيق، مجرد معطيات وادعاءات متداولة لا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة.
ومع ذلك، فإن مجرد طرحها من داخل الحزب يستدعي توضيحاً مؤسساتياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسطرة ترشيحات يفترض أن تقوم على معايير سياسية وتنظيمية وانتخابية واضحة.
سقف قانوني بـ600 ألف درهم.. والسؤال يزداد تعقيداً
يزداد الجدل حساسية بالنظر إلى القواعد القانونية المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية.
فالمعطيات التي أثارتها الإدريسي تربط بين المبالغ المتداولة وبين سقف مصاريف الحملة الانتخابية التشريعية المحدد في 600 ألف درهم لكل مترشح.
ومن هنا طرحت المحامية الاتحادية سلسلة أسئلة حول الأساس القانوني لمطالبة مرشحة، في حال ثبوت ذلك، بإيداع مبلغ محدد لفائدة الحزب قبل حسم التزكية.
هل يتعلق الأمر بتبرع للحزب؟
أم بمساهمة في تمويل حملة انتخابية؟
ومن يحدد وجهة هذه الأموال؟
وكيف يتم توزيعها؟
ومن يتحمل مسؤولية تبريرها أمام أجهزة الرقابة المالية؟
أسئلة لا يمكن حسمها بالبيانات السياسية، وإنما تحتاج إلى إجابات دقيقة ووثائق واضحة.
هل تحولت التزكية إلى منافسة مالية؟
الأكثر إثارة في القضية هو ما أثير حول إمكانية تسرب المبالغ التي اقترحتها بعض المرشحات، بما قد يسمح، وفق الطعون المقدمة، بتعديل مساهمات مالية لاحقاً.
وهنا برز وصف شديد الحساسية للعملية، عندما جرى الحديث عن احتمال تحولها إلى ما يشبه “المزايدة المالية” بين المتنافسات.
هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى توضيح من قيادة الحزب.
فإذا كانت المساهمات مجرد دعم مالي اختياري للحملة، فينبغي أن تكون قواعدها موحدة وواضحة ومعلنة لجميع المرشحات، وأن تكون مستقلة عن قرار منح التزكية.
أما إذا كانت القدرة على تقديم مساهمة مالية أكبر تدخل ضمن عناصر المفاضلة، فإن الأمر يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة العملية السياسية نفسها، وحول مدى تكافؤ الفرص بين المرشحين.
طعون واستقالات.. القضية تتجاوز الإدريسي
الأزمة لم تتوقف عند مريم جمال الإدريسي.
فقدمت رجاء البقالي بدورها استقالتها، وفق المعطيات المتداولة، احتجاجاً على معايير اختيار وتزكية مرشحات اللائحة الجهوية بإقليم شفشاون.
كما تقدمت ليلى بوهو، وهي عضوة في عدد من الهيئات التنظيمية للحزب بجهة الدار البيضاء-سطات، بطعن في نتائج اللجنة المكلفة بالاستماع إلى طلبات الترشيح لوكالة اللائحة الجهوية.
بوهو طرحت بدورها أسئلة حول نتائج تصويت متداولة، تحدثت عن حصول مرشحات على 10 و7 و3 أصوات، رغم أن اللجنة تضم 12 عضواً.
كما استفسرت عن طبيعة هذه النتائج: هل هي نهائية؟ أم مجرد مقترحات مرفوعة إلى المكتب السياسي؟
ولماذا جرى تداولها قبل عرضها على الهيئة المخولة باتخاذ القرار؟
منال التقال تدخل على الخط
بدورها، وجهت منال التقال، عضو المكتب السياسي، رسالة إلى إدريس لشكر تستفسر فيها عن المعايير التي حكمت اختيار المرشحات، وعن موقع المساهمات المالية في عملية اتخاذ القرار.
وتعدد هذه الاعتراضات يعطي القضية بعداً مختلفاً.
فالأمر لم يعد مرتبطاً بشخص واحدة خرجت من الحزب بعد خلاف حول التزكية، وإنما أصبح مرتبطاً بنقاش داخلي أوسع حول كيف تُصنع الترشيحات، ومن يملك قرارها، وما هي المعايير التي تحكمها.
الاتحاد الاشتراكي يختار التصعيد
في المقابل، اختار المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي الرد بقوة.
فبعد اجتماعه، أعلن المصادقة بالإجماع على نتائج لجان البت في الترشيحات، ورفض ما وصفه بـ”الادعاءات الباطلة” التي وجهتها الإدريسي إلى قيادة الحزب.
كما قرر تجريدها من انتمائها الحزبي، مع التلويح باللجوء إلى القضاء، معتبراً أن ما صدر عنها يشكل خرقاً للنظام الأساسي والقوانين الداخلية ويمس بمصداقية مؤسسات الحزب وأعضاء لجنة البت.
وبذلك، انتقل الخلاف من النقاش السياسي الداخلي إلى مستوى أكثر حدة، عنوانه: اتهامات من جهة، ونفي وتصعيد قانوني من جهة أخرى.
الكرة الآن في ملعب القيادة الاتحادية
في ظل تضارب الروايات، يبدو أن أفضل مخرج للحزب ليس الاكتفاء بالبيانات السياسية أو التهديد باللجوء إلى القضاء.
فالأسئلة المطروحة تتعلق بالشفافية والثقة في مسطرة التزكية.
وإذا كانت قيادة الاتحاد الاشتراكي تؤكد أن العملية تمت وفق القوانين والمساطر التنظيمية، فإن نشر توضيحات دقيقة حول معايير الاختيار، وطبيعة المساهمات المالية، وكيفية التعامل معها، يمكن أن يضع حداً للكثير من علامات الاستفهام.
أما إذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن ذلك بدوره يستدعي توضيحاً مؤسسياً يضع حداً للتأويلات.
معركة التزكيات تختبر صورة الحزب
تأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية، قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، وفي وقت تحاول فيه الأحزاب السياسية تقديم نفسها للناخبين باعتبارها مؤسسات قادرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
لكن صورة أي حزب لا تُختبر فقط أمام صناديق الاقتراع، بل أيضاً في طريقة تدبيره للخلافات الداخلية، واختياره لمرشحيه، وضمانه لتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وفي حالة الاتحاد الاشتراكي، فإن السؤال لم يعد فقط: من سيحمل اللائحة الجهوية للنساء؟
بل أصبح أعمق:
هل تستطيع قيادة الحزب إقناع قواعدها والرأي العام بأن التزكيات تُحسم بالكفاءةو والاستحقاق السياسي والتنظيمي، وليس بحجم المساهمات المالية؟
وإلى أن تظهر معطيات رسمية أو نتائج تحقيق يمكنها الحسم في الاتهامات، ستظل هذه القضية واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الداخلي للحزب، خصوصاً أنها بدأت باستفسارات حول المال وانتهت باستقالة، وتجريد من العضوية، وتهديد بالقضاء.





تعليقات