آخر الأخبار
Banner Narsa

العنصر يعود إلى البرلمان بعد الثمانين.. هل أغلقت الحركة الشعبية باب التجديد في وجه شباب بولمان؟

Banner Narsa

أعادت تزكية امحند العنصر للترشح للانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة بولمان، نقاشاً قديماً ومتجدداً حول علاقة الأحزاب المغربية بتجديد النخب السياسية، وحول قدرة هذه الأحزاب على منح الشباب فرصة حقيقية للوصول إلى مواقع القرار.

فالعنصر، الذي تجاوز سن الثمانين، ليس اسماً عادياً في المشهد السياسي المغربي. فقد راكم تجربة طويلة داخل مؤسسات الدولة والحركة الشعبية، وتولى مناصب سياسية وحكومية وازنة لعقود. لكن السؤال الذي تفرضه عودته اليوم إلى واجهة التنافس الانتخابي ليس حول تاريخه السياسي، وإنما حول جدوى إعادة تقديم الوجوه نفسها للأجيال الجديدة، في وقت تتحدث فيه الأحزاب باستمرار عن ضرورة تشبيب السياسة وتجديد النخب.

عندما يصبح التجديد شعاراً فقط

لا يتعلق الأمر هنا بالقول إن التقدم في السن يمنع الإنسان من ممارسة السياسة، فالكفاءة لا تقاس بالعمر وحده، ولا يمكن اختزال التجربة السياسية في عامل السن.

لكن السياسة تحتاج أيضاً إلى التداول، وإلى فتح المجال أمام أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة، وتعيش التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي اليوم.

ومن هذه الزاوية، تبدو عودة شخصية سياسية تجاوزت الثمانين إلى المنافسة الانتخابية في دائرة محلية مثل بولمان رسالة سياسية قابلة للنقاش: هل لم تعد الأحزاب قادرة على إنتاج بدائل؟ وهل أصبح الاعتماد على الأسماء التاريخية أسهل من الاستثمار في طاقات جديدة؟

المفارقة أن الشباب المغربي يُطلب منه باستمرار الانخراط في الحياة السياسية، والمشاركة في الانتخابات، والثقة في المؤسسات، بينما يجد أمامه في بعض الحالات المشهد نفسه تقريباً، بوجوه سياسية عمرت طويلاً داخل المؤسسات.

وهنا تحديداً تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة.

من الأب إلى الابن.. هل يتحول المقعد إلى إرث سياسي؟

الأكثر إثارة في حالة بولمان أن عودة امحند العنصر تأتي في سياق سياسي سبق أن كان فيه نجله حسن العنصر ممثلاً للمنطقة في البرلمان.

وهذا المعطى، بحد ذاته، يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً حول حدود التوارث السياسي داخل بعض الدوائر الانتخابية.

فالبرلمان مؤسسة دستورية يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع المواطنين، والأحزاب يفترض أن تتنافس على أساس البرامج والكفاءات والقدرة على إقناع الناخبين.

لكن عندما تتكرر الأسماء داخل العائلة نفسها، يمكن أن يتولد لدى المواطن انطباع بأن بعض المقاعد الانتخابية أصبحت أقرب إلى المجال المحجوز منها إلى فضاء التنافس المفتوح.

وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن الناخبين لا يملكون حق الاختيار، ولا أن الانتماء العائلي يمنع قانوناً أي شخص من الترشح. لكن الإشكال سياسي وأخلاقي بالدرجة الأولى: هل تعكس هذه الممارسات فعلاً مفهوم تجديد النخب الذي ترفعه الأحزاب؟

وماذا عن طاقات بولمان؟

السؤال الأكبر الذي تطرحه هذه التزكية لا يتعلق فقط بشخص العنصر، وإنما بإقليم بولمان نفسه.

هل يعقل أن يُفهم المشهد وكأن الإقليم، بكل ما يزخر به من شباب وأطر وفاعلين جمعويين واقتصاديين وأكاديميين، لا يستطيع إنتاج مرشح قادر على تمثيله سوى شخصية سياسية عريقة تجاوزت الثمانين؟

بالتأكيد لا.

بولمان ليست فقيرة إلى الكفاءات، ولا إلى الشباب القادر على خوض غمار السياسة. وإذا كانت الأحزاب جادة في حديثها عن التشبيب، فإن مسؤوليتها لا تتوقف عند استقطاب الشباب إلى الحملات الانتخابية أو استعمال صورهم في الأنشطة الحزبية، وإنما تبدأ من منحهم مواقع حقيقية للقرار والترشح والتمثيل.

فالشباب لا يريد أن يكون مجرد جمهور في المهرجانات الانتخابية، ولا مجرد متطوع في الحملات، ولا رقماً يضاف إلى قوائم المنخرطين.

الشباب يريد أن يكون نائباً، ورئيس جماعة، ومسؤولاً حزبياً، وصاحب قرار.

رسالة محبطة لجيل يبحث عن مكانه في السياسة

المشكلة الأكبر في مثل هذه الاختيارات أنها قد تزيد من إحباط جيل جديد فقد أصلاً جزءاً كبيراً من ثقته في الأحزاب.

فحين يرى شاب في الثلاثين أو الأربعين من عمره أن الوجوه السياسية نفسها تعود إلى الواجهة، وأن أبناء السياسيين يجدون طريقهم بسهولة أكبر إلى المؤسسات، قد يطرح سؤالاً بسيطاً: ما الذي يمكن أن أفعله حتى أصل؟

وهذا السؤال أخطر بكثير من مجرد انتقاد تزكية مرشح بعينه.

لأن عزوف الشباب عن السياسة لا يأتي من فراغ. إنه يتغذى من الإحساس بأن اللعبة السياسية مغلقة، وأن المواقع المهمة تنتقل داخل شبكات محددة، وأن الوجوه الجديدة لا تحصل على فرص حقيقية إلا في حالات محدودة.

وعندما تتحول هذه القناعة إلى واقع راسخ، فإن الخاسر في النهاية ليس حزباً بعينه، وإنما الحياة السياسية برمتها.

الحركة الشعبية أمام امتحان التجديد

تجد الحركة الشعبية نفسها، من خلال هذه الخطوة، أمام امتحان سياسي حقيقي.

فالحزب الذي يتحدث عن المستقبل والتنمية والإنصاف المجالي مطالب أيضاً بأن يقدم صورة عن المستقبل داخل هياكله ومرشحيه.

وإذا كان امحند العنصر يمتلك تجربة سياسية طويلة، فهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن التجربة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لإغلاق الباب أمام الأجيال الجديدة.

كان يمكن للحزب أن يستفيد من تجربة العنصر بطريقة أخرى: أن يتحول إلى مرجعية وداعم للجيل الجديد، وأن يمنح أبناء وبنات بولمان فرصة حمل المشعل السياسي، بدل إعادة إنتاج تجربة الماضي في الانتخابات المقبلة.

فالقادة التاريخيون يحافظون على قيمتهم عندما يصنعون خلفاء سياسيين، لا عندما يظلون هم دائماً في الواجهة.

السياسة ليست ملكية عائلية

في النهاية، لا أحد يملك حق منع امحند العنصر من الترشح ما دام مستوفياً للشروط القانونية، ولا يملك أحد حق مصادرة حق الناخبين في اختياره.

لكن من حق الرأي العام أن يسأل، ومن حق الصحافة أن تنتقد، ومن حق الشباب أن يتساءل:

لماذا لا نرى وجوهاً جديدة؟

أين هي طاقات بولمان؟

ولماذا يبدو المشهد أحياناً وكأن التمثيلية السياسية تنتقل من الأب إلى الابن ثم تعود إلى الأب؟

هذه الأسئلة ليست استهدافاً لشخص العنصر، بقدر ما هي مساءلة لنموذج سياسي كامل.

فالمغرب يحتاج اليوم إلى أحزاب تفتح أبوابها أمام الشباب، لا أحزاباً تجعل الشباب ينتظر سنوات طويلة خلف الصفوف.

ويحتاج إلى برلمان يعكس تنوع المجتمع وأجياله، لا إلى مؤسسة يبدو فيها الزمن السياسي متوقفاً عند أسماء تعود إلى الواجهة كلما اقترب موعد الانتخابات.

بولمان تستحق أكثر من مجرد اسم تاريخي. تستحق منافسة حقيقية، وأفكاراً جديدة، ووجوهاً جديدة، وجيلاً جديداً من المنتخبين.

أما إعادة تدوير النخب القديمة، في وقت يُطلب فيه من الشباب الإيمان بالسياسة، فقد تكون ببساطة واحدة من أكثر الطرق فعالية لدفع هذا الشباب إلى مزيد من العزوف عنها.

Banner Narsa
المقال التالي