اشتوكة آيت باها.. حين تصطدم “إنجازات الأحرار” بواقع العطش ومعاناة العاملات


اختار حزب التجمع الوطني للأحرار إقليم اشتوكة آيت باها ليقدم، في لقاء تواصلي احتضنته المنطقة أمس الجمعة، واحدة من أبرز رواياته حول الحصيلة الحكومية، بحضور وزراء وقيادات حزبية، تحولت كلماتهم إلى جرد طويل للمشاريع والاستثمارات والقرارات التي قال الحزب إنها ساهمت في إنقاذ الفلاحة وتعزيز الأمن المائي ودعم التنمية.
محمد أوجار تحدث عن حصيلة العمل الحكومي وقوة الحزب، فيما قدم وزير الفلاحة أحمد البواري أرقاماً مرتبطة بمشاريع الماء والفلاحة، من بينها محطة تحلية مياه البحر التي قال إن الاستثمار فيها بلغ 4.4 مليارات درهم، مع استفادة نحو 15 ألف هكتار من مياه السقي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وربما كان ينبغي أن يكون حاضراً بقوة في ذلك اللقاء، ليس فقط: كم أنفقتم؟
بل: ماذا تغير فعلياً في حياة سكان اشتوكة آيت باها؟
وهنا تبدأ القصة الأخرى.
إقليم يصدر الغذاء ويستقبل العطش
اشتـوكة آيت باها ليست منطقة هامشية في الاقتصاد المغربي. إنها واحدة من أهم القلاع الفلاحية في المملكة، وتضم مئات الضيعات الفلاحية وتستقطب عشرات الآلاف من العاملين في القطاع.
وتشير معطيات منشورة إلى أن الإقليم كان يمثل نحو 70 في المائة من صادرات البواكر وطنياً، فيما كان القطاع يستقطب ما بين 70 و100 ألف عامل زراعي من مناطق مختلفة من المغرب.
هذه الأرقام وحدها كافية لطرح سؤال سياسي وأخلاقي كبير:
كيف يمكن لمنطقة بهذا الوزن الاقتصادي أن تظل عاجزة عن ضمان أبسط شروط العيش الكريم لجزء من سكانها؟
قبل أيام فقط، كانت معاناة سكان آيت اعميرة مع الماء تعود إلى الواجهة، بعدما تحدثت تقارير وشهادات محلية عن انقطاعات في التزود بالماء الصالح للشرب تصل في بعض الحالات إلى أسابيع.
بل إن السلطات عقدت خلال يونيو الماضي اجتماعات لتتبع مشاريع الماء الصالح للشرب والتطهير السائل بالجماعة، كما جرى الحديث عن مشاريع استعجالية لتعزيز الأمن المائي وربط أحياء جديدة بالمياه المحلاة.
أي أن أزمة الماء ليست اختراعاً إعلامياً ولا مجرد خطاب معارض؛ إنها مشكلة حقيقية دفعت السلطات إلى عقد اجتماعات ومباشرة مشاريع لمعالجتها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
إذا كانت كل هذه الإنجازات قد تحققت، فلماذا ما زال مواطن في اشتوكة آيت باها ينتظر الماء؟
من أرقام التصدير إلى «بيكوبات» الموت
المفارقة الثانية أكثر قسوة.
اشتـوكة تنتج وتصدر الخضر والفواكه إلى الأسواق الخارجية، وتساهم في توفير الغذاء للمغرب وخارجه، لكن جزءاً من اليد العاملة التي تجعل هذه الثروة ممكنة ما زال ينتقل إلى الضيعات في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام.
العاملات الزراعيات، وخصوصاً اللواتي ينقلن في سيارات «بيكوب» وشاحنات غير ملائمة، أصبحن وجهاً متكرراً لمعاناة القطاع.
وليس الحديث هنا عن حادثة معزولة. فقد شهد الإقليم خلال السنوات الماضية حوادث خطيرة تورطت فيها سيارات تنقل عاملات وعمالاً زراعيين، كما أعادت حوادث حديثة النقاش حول ظروف نقل العاملات ووسائل السلامة.
وهذا يقود إلى سؤال آخر للحكومة والحزب الذي يقودها:
هل تقاس قوة الفلاحة فقط بعدد أطنان الطماطم والخيار والفلفل التي تعبر الحدود، أم أيضاً بمدى احترام حقوق المرأة التي قطعت ساعات الطريق كي تصل إلى الضيعة؟
لأن التنمية التي تنتج أرقاماً قياسية في التصدير، بينما تضع العاملات في ظروف نقل محفوفة بالمخاطر، تظل تنمية ناقصة مهما كانت أرقامها براقة.
أي نجاح يتحدث عنه «الأحرار»؟
لا أحد ينكر أن اشتوكة شهدت استثمارات فلاحية ضخمة، وأن مشاريع مائية مهمة أنجزت أو توجد في طور الإنجاز.
لكن الإشكال ليس في وجود المشاريع.
الإشكال في الفجوة بين صورة الإقليم في الخطاب الرسمي وصورته في الحياة اليومية.
في الخطاب الحزبي، هناك فلاحة حديثة، واستثمارات بالمليارات، وأمن مائي، وتصدير، ومشاريع كبرى.
وفي الواقع اليومي، هناك دواوير تنتظر الماء، وأسر تواجه مشاكل البنيات الأساسية، وعاملات يركبن وسائل نقل محفوفة بالمخاطر، وضغط عمراني واجتماعي هائل فرضته الهجرة الداخلية واستقطاب اليد العاملة.
وهذه ليست مشكلة حزب معارض مع حزب حاكم.
إنها ببساطة مسألة محاسبة سياسية.
فحزب التجمع الوطني للأحرار يقود الحكومة، وبالتالي لا يمكنه تقديم نفسه في اشتوكة فقط باعتباره حزباً انتخابياً يستعرض حصيلة الوزراء، ثم يطلب من السكان تجاهل الأسئلة التي يطرحها الواقع.
اشتوكة ليست مجرد «خزان انتخابي»
ربما يكون أكثر ما يحتاجه إقليم اشتوكة آيت باها اليوم هو أن تتوقف الأحزاب عن النظر إليه فقط باعتباره رقعة فلاحية ضخمة أو خزاناً انتخابياً مهماً.
السكان لا يعيشون داخل أرقام الصادرات.
العاملات لا يشربن مياه محطة التحلية في الخطابات.
والأطفال في الدواوير لا يستفيدون من مليارات الاستثمار بمجرد الإعلان عنها في لقاء حزبي.
المواطن يريد طريقاً صالحاً، وماءً مستمراً، ونقلاً آمناً، ومرافق صحية وتعليمية، وبيئة تليق بمنطقة تنتج ثروة هائلة.
أما أن يأتي الوزراء إلى المنطقة ليقولوا للسكان: انظروا إلى ما أنجزناه، بينما يستطيع المواطن أن يجيبهم: انظروا أولاً إلى ما زال ينقصنا، فهذه هي المفارقة التي لا يمكن لأي خطاب انتخابي أن يخفيها.
السؤال الذي كان ينبغي أن يطرح في اللقاء
كان يمكن للقاء الأمس أن يكون أكثر قيمة لو لم يقتصر على عرض الإنجازات.
كان يمكن أن يكون مناسبة لطرح أسئلة صعبة:
لماذا ما زالت آيت اعميرة ومناطق أخرى تعاني من انقطاعات الماء؟
متى ستتوفر العاملات الزراعيات على نقل يحفظ كرامتهن وسلامتهن؟
أين هي البنيات التحتية التي توازي حجم الثروة التي تنتجها اشتوكة؟
ولماذا لا تنعكس مكانة الإقليم الاقتصادية دائماً على مستوى الخدمات التي يحصل عليها سكانه؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد، في نهاية المطاف، إن كانت الحصيلة تستحق فعلاً كل هذا الاحتفاء.
أما الأرقام، مهما كانت كبيرة، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من بريقها عندما يقف المواطن أمام صنبور جاف.
وفي اشتوكة آيت باها، قد تكون المفارقة الأكبر أن الإقليم الذي يساهم بقوة في تغذية الأسواق ما زال جزء من سكانه ينتظرون أن تصل إليهم أبسط شروط الحياة الكريمة.



تعليقات