من حدود سبتة إلى منصات التواصل.. كيف تحولت أزمة الهجرة إلى موجة كراهية تستهدف المغاربة في إسبانيا؟


لم تتوقف تداعيات أزمة سبتة عند تراجع التوتر على الحدود، بل امتدت إلى الداخل الإسباني بصورة أكثر تعقيدًا، بعدما سجلت المنصات الرقمية ارتفاعًا لافتًا في رسائل الكراهية والعنصرية الموجهة ضد المهاجرين، فيما تصدر الأشخاص المنحدرون من شمال إفريقيا قائمة الفئات الأكثر استهدافًا بهذا الخطاب.
أكثر من 40 ألف رسالة كراهية خلال عشرة أيام
كشف مدير المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب، توماس فرنانديث فيازالا، أن أكثر من 40 ألفًا و800 رسالة كراهية رُصدت خلال نحو عشرة أيام عقب أحداث سبتة، مؤكدًا أن هذه الرسائل تركزت بشكل خاص على المنصات الرقمية الأكثر تداولًا في إسبانيا. وسُجلت الذروة يوم السبت بنحو 6500 رسالة، قبل أن يعاود المنحى الارتفاع يوم الخميس، متجاوزًا 4000 منشور جديد.
أرقام تكشف تسارعًا استثنائيًا في خطاب الكراهية
وتكشف مقارنة الأرقام حجم التسارع الذي شهدته الظاهرة؛ ففي رصد أولي نُشر يوم الثلاثاء، بلغ عدد الرسائل المسجلة خلال الفترة الممتدة بين نهاية الشهر الماضي وبداية الشهر الجاري نحو 35 ألفًا و500 رسالة، قبل أن يرتفع الرقم في تحديث لاحق إلى أكثر من 40 ألفًا و800 رسالة خلال عشرة أيام فقط، أي ما يقارب حجم المحتوى الذي كان يُرصد عادة خلال شهر كامل.
موجة جديدة تغذي ظاهرة كانت تتسع منذ العام الماضي
ولم تنطلق هذه الظاهرة من فراغ، فقد سبق للمرصد أن رصد منحى تصاعديًا منذ مطلع العام الماضي، مع تسجيل أكثر من مليون رسالة كراهية، فيما بلغ العدد خلال فترة سابقة من العام الجاري وحدها نحو 39 ألفًا و559 رسالة عنصرية أو معادية للمسلمين والأجانب وفئات أخرى. واللافت أن 54 في المائة من هذه الرسائل استهدفت أشخاصًا من شمال إفريقيا، وهو ما يعزز المخاوف بشأن تداعيات الموجة الجديدة على المقيمين المغاربة في إسبانيا.
استهداف شمال إفريقيا يضع الجالية المغربية في دائرة القلق
ورغم تعذر الجزم بأن جميع الرسائل المرصودة موجهة حصرًا ضد المغاربة، فإن تصدر المنحدرين من شمال إفريقيا قائمة المستهدفين يضع الجالية المغربية في صلب هذا النقاش، خصوصًا في ظل حضورها الواسع داخل إسبانيا وإسهامها في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. كما صنّف المعهد الوطني للإحصاء الجنسية المغربية ضمن أكبر ثلاث جنسيات للوافدين إلى البلاد خلال الربع الثاني من العام الجاري.
من التحريض الرقمي إلى إعادة تشكيل الخطاب السياسي
ولا يقتصر القلق على حجم الرسائل المرصودة، إذ يخشى مراقبون إسبان انتقال بعض المصطلحات المعادية للمهاجرين من حسابات التواصل الاجتماعي إلى الخطاب السياسي، مع تنامي استخدام مفردات تصور الهجرة باعتبارها «غزوًا» أو تهديدًا للأمن والمجتمع، في خطاب يربط بصورة متكررة بين الهجرة وقضايا الجريمة والبطالة والتهديد الديمغرافي.
تصريحات قيادي في «فوكس» تعيد ملف الكراهية إلى الواجهة
وأثارت تصريحات القيادي في حزب «فوكس»، خوسي ماريا فيغاريدو، بشأن مطاردة مهاجرين دخلوا سبتة، موجة جدل واسعة، دفعت وزارة المساواة الإسبانية يوم الثلاثاء إلى إحالة تصريحاته على النيابة العامة، وطلب التحقيق في احتمال انطوائها على جريمة كراهية. وحذر المحلل السياسي أنطون لوسادا من تحول خطاب الكراهية إلى أداة سياسية تضخمها شبكات التواصل الاجتماعي وتُستثمر في تعميق الاستقطاب.
القضاء الإسباني يضع حدودًا أكثر صرامة أمام التحريض
وفي السياق ذاته، شدد المدعي العام المختص بجرائم الكراهية والتمييز، ميغيل أنخيل أغويلار، على أن حرية التعبير ليست بلا حدود، محذرًا من القدرة الاستثنائية لشبكات التواصل على نشر المحتوى المحرض وتضخيمه. وتعزز هذا التوجه القضائي بتأكيد المحكمة العليا الإسبانية يوم الاثنين عقوبة السجن بحق ناشطة يمينية متطرفة أُدينت بالتحريض على الكراهية ضد مهاجرين مغاربة، في سابقة تعكس تشددًا قضائيًا متزايدًا تجاه هذا النوع من الخطاب.
أصوات من داخل سبتة تواجه خطاب الانقسام والكراهية
وفي المقابل، برزت داخل سبتة نفسها أصوات رافضة لهذا المنحى، إذ نظم سكان ومتظاهرون وقفة حاشدة تلي خلالها «بيان من أجل وحدة سبتة»، شدد على التعايش بين مكونات المدينة ورفض خطابات الكراهية والانقسام، وسط شعارات من قبيل «سبتة موحدة لن تُهزم».
ومع اتساع تداعيات الأزمة من الحدود إلى الفضاء الرقمي، يتجاوز السؤال المطروح مستقبل الحدود ذاتها، ليضع مغاربة إسبانيا أمام تحدٍ اجتماعي أكثر حساسية: هل ستتراجع هذه الموجة مع انحسار الأزمة، أم ستترك وراءها مناخًا تتحول فيه الهوية المغربية والانتماء الشمال إفريقي والإسلامي إلى أسباب للوصم والتمييز؟ ويأتي ذلك اليوم الاثنين في وقت يتواصل فيه الجدل الإسباني حول تداعيات أزمة الهجرة وحدود الخطاب المقبول تجاه المهاجرين.





تعليقات