من الميزانية إلى التنمية الترابية.. كيف أصبح لقجع ممسكا بمفاتيح 210 مليارات؟


أصبح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بعد التحاقه حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، الآمر بالصرف في «صندوق التنمية الترابية المندمجة»، الذي يمول مشاريع تشرف وزارة الداخلية على إعدادها، بينما تتولى القطاعات الحكومية المختلفة تنفيذها.
وتكتسي هذه الوضعية طابعا استثنائيا، بالنظر إلى أن الصندوق، الذي يعود إحداثه إلى تسعينيات القرن الماضي، ظل مرتبطا في قوانين المالية المتعاقبة برؤساء الحكومات باعتبارهم الآمرين بالصرف، باستثناء سنة 2016، عندما انتقلت هذه الصلاحية إلى وزير الفلاحة آنذاك، عزيز أخنوش، في خطوة أثارت خلافا سياسيا مع رئيس الحكومة حينها عبد الإله ابن كيران.
وتتجاوز صلاحيات لقجع مجرد الإشراف على الجانب المالي، إذ يرتبط البرنامج أيضا بلجنة وطنية تتولى التنسيق والمصادقة على البرامج، إلى جانب شبكة واسعة من المسؤولين الترابيين والإداريين الذين تم تعيينهم آمرين مساعدين بالصرف أو نوابا لهم.
ويأتي هذا التطور في وقت يستعد فيه المغرب لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بكلفة إجمالية تقدر بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، ما يجعل موقع لقجع ذا أهمية مالية وتدبيرية كبيرة في المرحلة التي تسبق الانتخابات التشريعية المقبلة.
تعيين انتقالي وصلاحيات واسعة
مرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، مؤرخ في 3 غشت 2026، أسند إلى فوزي لقجع، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، مهمة الآمر بالصرف في الصندوق «بصفة انتقالية»، بما يعني أن هذه الصفة قابلة للتغيير لاحقا.
وكان قانون المالية لسنة 2026 قد أعاد إحياء الصندوق تحت اسم «صندوق التنمية الترابية المندمجة»، دون أن يحدد بشكل مباشر هوية الآمر بالصرف، مكتفيا بالإحالة على النصوص التنظيمية الجاري بها العمل.
وبمجرد توليه هذه المهمة، أصدر لقجع سلسلة من القرارات المتعلقة بتعيين الآمرين المساعدين بالصرف ونوابهم، حيث شملت الولاة والعمال، إلى جانب مسؤولين إقليميين وجهويين في قطاعات التجهيز والنقل واللوجستيك والصحة والفلاحة والتعمير والتعليم وغيرها.
كما شملت القرارات منح صلاحيات التوقيع على الصفقات لعدد من المسؤولين المحليين والجهويين، فضلا عن تعيين من ينوب عنه في الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية للتوقيع أو التأشير على الوثائق المرتبطة بالصندوق.
20 مليار درهم للصندوق و210 مليارات للورش المقبل
خصص قانون المالية لسنة 2026 للصندوق خمسة مليارات درهم كاعتمادات أداء خلال السنة الجارية، إلى جانب 15 مليار درهم كاعتمادات التزام يمكن الالتزام بها مسبقا على حساب سنة 2027.
غير أن الأهمية الأكبر ترتبط بالبرنامج التنموي الذي سيواكبه الصندوق، إذ تقدر الكلفة الإجمالية للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.
وتهم هذه البرامج مجالات متعددة، من بينها التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي وتقليص الفوارق المجالية، ما يجعل الصندوق إحدى أهم الأدوات المالية المرتبطة بالسياسات التنموية خلال السنوات المقبلة.
الداخلية تعد المشاريع ولقجع يتولى التمويل
كانت وزارة الداخلية قد شرعت، منذ غشت 2025، في الإعداد لهذا الورش، من خلال مذكرة وجهها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى الولاة والعمال لإطلاق إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تنفيذا للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش.
وفي أكتوبر من السنة نفسها، انطلقت مشاورات على مستوى الأقاليم الـ75 للمملكة، بمشاركة المنتخبين والإدارات والمجتمع المدني والفاعلين المحليين.
وبموجب هذه الهندسة، يتولى العمال إعداد البرامج وتتبعها على المستوى المحلي، بينما يضطلع الولاة بتجميعها وضمان انسجامها على المستوى الجهوي، في حين تتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة مهمة التنسيق والمصادقة.
وبذلك أصبحت معالم توزيع الأدوار أكثر وضوحا، إذ تتولى وزارة الداخلية الجانب المرتبط بهندسة المشاريع والبرامج الترابية، فيما يمسك الوزير المنتدب المكلف بالميزانية بالمفتاح المالي لتمويلها.
صندوق قديم يعود إلى واجهة النفوذ السياسي
لم يكن الجدل حول الجهة التي تتولى تدبير هذا الصندوق وليد المرحلة الحالية، فقد أحدث سنة 1994 تحت اسم «صندوق التنمية القروية»، وكان رئيس الحكومة آنذاك هو الآمر بالصرف فيه، قبل أن يتحول سنة 2012 إلى «صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية».
وفي قانون المالية لسنة 2016، انتقلت صلاحية الآمر بالصرف من رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران إلى وزير الفلاحة عزيز أخنوش، في واقعة تحولت حينها إلى واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين الرجلين.
كما عاد الصندوق إلى واجهة التجاذبات السياسية خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2025، بعدما طالبت أطراف داخل الأغلبية بإعادة توزيع الإشراف على برامجه بين عدد من القطاعات الحكومية، في وقت تمسك فيه حزب التجمع الوطني للأحرار ببقاء الصندوق تحت إشراف وزارة الفلاحة.
لذلك، فإن عدم حسم قانون المالية لسنة 2026 بشكل مباشر في هوية الآمر بالصرف عكس، وفق هذه المعطيات، حساسية موقع الصندوق وأهميته داخل منظومة القرار الحكومي، بالنظر إلى حجم الاعتمادات والبرامج التي يشرف عليها.
من «المغرب 2030» إلى التنمية الترابية
تتزامن هذه المسؤولية الجديدة مع تولي لقجع أدوارا أخرى ذات وزن مالي ومؤسساتي، من بينها رئاسة «مؤسسة المغرب 2030»، المكلفة بتنسيق وتتبع الأوراش المرتبطة بتنظيم كأس العالم والاستحقاقات الرياضية الكبرى.
ويضع ذلك الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في موقع يجمع بين تدبير الموارد المالية، والإشراف على أحد أهم صناديق التنمية الترابية، والمساهمة في تتبع الأوراش الكبرى المرتبطة بأفق 2030.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يثير هذا التركيز الواسع للصلاحيات تساؤلات سياسية ومؤسساتية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود الأدوار التي سيلعبها لقجع داخل منظومة القرار المالي والتنموي، خصوصا في ظل ضخامة البرامج التي ستدخل حيز التنفيذ خلال السنوات القادمة.





تعليقات