أمريكا تساءل أوروبا.. لماذا يُسمح لكم بدخول المغرب بلا تأشيرة ويُمنع أبناؤه من حلم العبور؟


يطرح تقرير تحليلي صادر عن اللجنة الأمريكية للاجئين والمهاجرين سؤالاً حاداً بشأن المفارقة التي تحكم علاقة أوروبا بالمغرب في ملف الهجرة: كيف يُسمح لمواطني الاتحاد الأوروبي بالسفر إلى المغرب دون تأشيرة، بينما يخاطر شبان مغاربة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى؟ ويرفض التقرير اختزال أحداث سبتة في رواية «الغزو»، معتبراً أن هذا التوصيف يتجاهل تعقيدات الملف ويغفل السياق الأوسع للتعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة.
سبتة تحت الضغط.. موجة لم تولد من فراغ
وبحسب التقرير، فإن موجة العبور الجماعي لم تكن حدثاً مفاجئاً أو معزولاً، بل جاءت نتيجة تراكم عوامل اجتماعية واقتصادية ورقمية على مدى أشهر. وشهد يوما الخميس والجمعة تدفقاً استثنائياً نحو الحدود، شارك فيه نحو اثنين وسبعين ألف شخص حاولوا الوصول إلى سبتة، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي عرفتها المنطقة.
تأويل خاطئ لحكم قضائي يشعل منصات التواصل
وفي محاولة لتفسير دوافع الموجة، يوضح التقرير أن برنامج تسوية أوضاع المهاجرين الذي أطلقته إسبانيا كان قد أُغلق قبل الأحداث بشهر، ما ينفي وجود علاقة مباشرة بين البرنامج وموجة العبور. غير أن حكماً أصدرته المحكمة العليا الإسبانية يوم الاثنين، يتعلق بالإجراءات القانونية المطبقة على القادمين عبر البحر، أُسيء تفسيره على منصات التواصل الاجتماعي، إذ ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن الوصول بحراً يعني تلقائياً عدم إمكانية إعادتهم.
«تيك توك» و«فيسبوك».. من الشائعة إلى قرار العبور
وفي خضم هذا الالتباس، لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في تعبئة الراغبين في العبور، وفق التقرير، بعدما انتشرت عبر «تيك توك» و«فيسبوك» و«إنستغرام» معلومات عن معدات السباحة وخرائط رقمية تحدد نقاط ضعف المراقبة الحدودية. وهكذا تحولت المنصات إلى فضاء لتبادل المعلومات والتشجيع، وقدمت لبعض الشباب ما بدا لهم «ضوءاً في نهاية النفق».
البطالة والغضب.. ما الذي يدفع الشباب إلى المخاطرة؟
ولا يكتفي التقرير بالعوامل الرقمية، بل يربط موجة العبور بواقع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيداً. ويشير إلى أن البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وعشرين عاماً بلغت تسعة وعشرين بالمائة، مستحضراً في الوقت ذاته احتجاجات جيل «زد» التي شهدتها أكثر من اثنتي عشرة مدينة مغربية خلال العام الماضي، على خلفية المطالب المرتبطة بالفرص والعدالة الاجتماعية. ويرى التقرير أن ما حدث في سبتة لا يمكن فصله عن هذا الشعور المتراكم بالإحباط وانسداد الأفق.
خلف الأرقام.. قتلى ومفقودون وعائلات تنتظر
لكن الثمن الإنساني لموجة العبور كان الأشد قسوة. ويسجل التقرير وفاة عدد من المهاجرين غرقاً أو خلال عمليات التدافع ومحاولات اجتياز الحاجز الحدودي، مع تقديرات تراوحت بين مئة ومئة وأربعين وفاة، فضلاً عن عشرات المفقودين. وفي المقابل، استخدمت السلطات المغربية خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع الوصول إلى سبتة، في مواجهة واحدة من أكثر أزمات الهجرة تعقيداً على الحدود المغربية الإسبانية.
قاصرون عالقون.. والعودة ليست مجرد قرار أمني
أما القاصرون غير المصحوبين بذويهم، فظلوا من أكثر الملفات حساسية، بعدما أُعيد معظم من تمكنوا من الدخول إلى المغرب في إطار التعاون المغربي الإسباني، بينما بقي نحو ألف قاصر في سبتة. ويشير التقرير إلى تخصيص إسبانيا خمسة وعشرين مليون يورو لدعمهم، مع الحديث عن إعادة توزيعهم بعد استكمال ملفاتهم. وفي السياق ذاته، أكد مفوض الاتحاد الأوروبي المكلف بالهجرة، يوم الجمعة، أنه «لم يعبر أي شخص» إلى إسبانيا القارية، في رسالة موجهة إلى بقية الدول الأوروبية لطمأنتها بشأن تداعيات الأزمة.
الفنيدق.. حين تتحول أزمة الهجرة إلى مأساة عائلية
وفي مدينة الفنيدق، اكتسبت الأزمة وجهاً أكثر إنسانية، بعدما تجمعت عائلات بحثاً عن أبنائها الذين فقد أثرهم خلال محاولات العبور. ويسرد التقرير قصة عامل زراعي ظل يبحث عن شقيقه البالغ سبعة عشر عاماً، بعدما عاد رفيقاه من الرحلة من دونه، فيما رفع آباء وأمهات صور أبنائهم قرب السياج الحدودي. مشاهد تختصر حقيقة غالباً ما تختفي خلف الأرقام: كل مهاجر مفقود هو ابن أو شقيق أو فرد من عائلة تنتظر خبراً.
المفارقة الأوروبية.. حدود مفتوحة للسائح ومغلقة أمام المهاجر
ومن هذه الزاوية، يصل التقرير إلى أكثر أسئلته حساسية، مستحضراً سنوات التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مراقبة الهجرة وحماية الحدود. ويشير إلى برنامج أوروبي خصص نحو مئة واثنين وخمسين مليون يورو لتعزيز أنظمة إدارة الحدود المغربية، في إطار سياسة أوروبية أوسع تقوم على إسناد جزء من مهام مراقبة الهجرة إلى دول خارج الاتحاد.
وهنا تبرز المفارقة التي يضعها التقرير أمام أوروبا: مواطن أوروبي يستطيع السفر إلى المغرب دون تأشيرة، بينما يواجه شاب مغربي طريقاً محفوفاً بالمخاطر إذا حاول الوصول إلى أوروبا. وفي الوقت نفسه، يشير التقرير إلى تسجيل ألفين ومئة وخمس وثمانين حالة وفاة أو فقدان في البحر الأبيض المتوسط خلال العام الماضي وحده.
بين «الغزو» و«الإنسان».. أي مقاربة للهجرة؟
ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع أحداث سبتة لم يخلُ من توظيف سياسي وإعلامي، بعدما لجأت بعض الأصوات الأوروبية إلى مفردات من قبيل «الغزو» و«الإجرام» لوصف المهاجرين. وفي المقابل، انتقد رئيس الحكومة الإسبانية مواقف بعض الدول المجاورة، واصفاً ردود فعلها بأنها «أنانية واستقطابية وغير قانونية».
وبذلك يعيد التقرير النقاش إلى جوهره: أزمة الهجرة لا تبدأ عند السياج الحدودي ولا تنتهي عند البحر، بل تتشكل قبل ذلك بكثير، داخل واقع اقتصادي واجتماعي يدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. وبينما تبحث أوروبا عن حدود أكثر إحكاماً، يطرح التقرير سؤالاً أعمق: هل يكفي تشديد الحدود لمعالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى محاولة عبورها؟



تعليقات