خبير يحذر من تكرار أزمة سبتة المحتلة: شباب عاطل وشائعات تصنع “جنة افتراضية”


خلص بحث علمي حديث إلى أن البطالة تمثل أحد أبرز العوامل البنيوية التي ساهمت في اندلاع أزمة سبتة خلال يوليوز 2026، محذراً من إمكانية تكرار المشاهد نفسها إذا لم تتم معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بالهجرة.
وأكد البحث أن غياب فرص الشغل، إلى جانب انتشار الشائعات والأخبار الزائفة، يساهم في تعزيز جاذبية الهجرة لدى فئات واسعة من الشباب، خصوصاً عندما تقدم لهم وعوداً بما وصفه البحث بـ”الجنة الافتراضية”.
وجاء ذلك ضمن دراسة للباحث عبد الحق باسو، حملت عنوان “أزمة سبتة في يوليوز 2026: الظروف البنيوية، والعوامل الظرفية المُضخِّمة، والعوامل المُفجِّرة”، تناولت مختلف العوامل التي ساهمت في تفجر الأزمة الأخيرة.
الشباب أمام أزمة تشغيل هيكلية
خصصت الدراسة حيزاً مهماً لتحليل الوضع الاجتماعي والاقتصادي في المغرب، مع التركيز بشكل خاص على البطالة، معتبرة أن غالبية الراغبين في الهجرة عبر سبتة أو أي معبر محتمل آخر ينتمون إلى فئة الباحثين عن فرص اقتصادية.
وتعكس هذه المعطيات، وفق البحث، أزمة هيكلية في سوق الشغل، رغم استمرار الأداء الاقتصادي للمغرب وتحوله إلى بلد ينتمي إلى فئة الاقتصادات ذات الدخل المتوسط.
وبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة وطنياً 13 في المائة خلال سنة 2025، مع تسجيل مستويات أعلى لدى فئات محددة.
ووصل معدل البطالة إلى 37.2 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و20.5 في المائة لدى النساء، فيما بلغ 19.1 في المائة بين حاملي الشهادات.
أكثر من نصف العاطلين لم يسبق لهم العمل
وتكشف مؤشرات أخرى عن الطابع الهيكلي لأزمة البطالة، إذ بلغت نسبة العاطلين الذين لم يسبق لهم العمل 52.9 في المائة.
كما وصلت نسبة الأشخاص الذين يعيشون البطالة لمدة سنة أو أكثر إلى 64.8 في المائة، بينما ارتفع متوسط مدة البطالة من 31 إلى 33 شهراً.
ويرى الباحث أن هذه الأرقام تتجاوز فكرة النقص الظرفي في فرص العمل، وتعكس تحوّل البطالة إلى عامل هيكلي يمكن أن يعزز الرغبة في الهجرة.
توقعات باستمرار معدلات البطالة المرتفعة
وتدعم توقعات المؤسسات الدولية هذا التشخيص، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل البطالة في المغرب قد يستقر عند 12.1 في المائة خلال سنة 2026، بعدما بلغ ذروة تقدر بـ13.4 في المائة سنة 2024.
وفي السياق ذاته، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 6.4 في المائة من سكان المغرب ينتمون إلى فئات معرضة لخطر الفقر متعدد الأبعاد.
أما البنك الدولي، فتشير الدراسة إلى أنه رغم تراجع معدل الفقر إلى 3.9 في المائة سنة 2022، فإن التفاوتات الاجتماعية والمجالية لا تزال قائمة، خصوصاً بين المناطق الحضرية والقروية.
الهجرة الداخلية تنتهي عند بوابة الشمال
وتربط الدراسة بين هذه الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية وبين دينامية الهجرة الداخلية، مشيرة إلى استمرار انتقال سكان من المناطق القروية نحو المدن والتجمعات الحضرية الكبرى بحثاً عن فرص أفضل.
وبالنسبة إلى جزء من هؤلاء، يتحول شمال المغرب إلى محطة أخيرة قبل محاولة الوصول إلى أوروبا.
وتبرز مدن مثل الفنيدق وطنجة والناظور ضمن مسارات الهجرة التي قد تبدأ على بعد مئات الكيلومترات، قبل أن تنتهي بمحاولات العبور نحو الضفة الأوروبية.
الشائعات تصنع “جنة افتراضية”
وحذرت الدراسة من أن استمرار الظروف التي تجعل الشائعات أكثر تأثيراً من الخطاب الرسمي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها.
وترى أن مواجهة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقوم فقط على مطالبة الشباب بالتراجع عن المخاطرة، بل تتطلب تقديم بدائل حقيقية وموثوقة وقابلة للتصديق.
وتضع الدراسة السؤال في إطار أوسع: التحدي لا يتمثل فقط في كيفية منع اندلاع أزمة جديدة في سبتة، وإنما في كيفية جعل الشباب المغربي أقل عرضة للتأثر بشائعات تعدهم بمستقبل أفضل أو بـ”جنة افتراضية”.
وبذلك، يربط البحث بشكل مباشر بين معالجة أزمة التشغيل وتعزيز الثقة في الخطاب الرسمي وبين الحد من قابلية الشباب للانخراط في موجات هجرة جماعية قد تتكرر كلما توافرت الظروف المحفزة لها.





تعليقات