القاصرون المغاربة في سبتة المحتلة.. وهبي يتحدث للألمان والحكومة تصمت أمام المغاربة

“الإسبان يرفضون إعادة القاصرين إلى المغرب”.. بهذه العبارة اختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن يتحدث عن واحد من أكثر الملفات حساسية في أعقاب أزمة سبتة المحتلة الأخيرة.
وقال وهبي، في مقابلة مع قناة “DW” الألمانية، إن المغرب عقد اجتماعات ومباحثات متعددة مع الجانب الإسباني بشأن إعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، دون أن تفضي هذه اللقاءات إلى حل عملي. وأضاف أن الرباط تمكنت في بعض الحالات من تحديد هوية قاصرين مغاربة وإعداد لوائح بأسمائهم وتحديد مواعيد لتسليمهم، غير أن الجانب الإسباني، وفق روايته، لم يحضرهم في الموعد المحدد.
كما تحدث الوزير عن إشكالات مرتبطة بالتحقق من هوية الأطفال، موضحاً أن بعض الملفات التي قدمتها السلطات الإسبانية باعتبار أصحابها مغاربة، أظهرت عملية التدقيق أنهم لا يحملون الجنسية المغربية.
لكن، بعيداً عن مضمون التصريحات، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا كان على المغاربة أن يعرفوا تفاصيل هذا الملف من قناة ألمانية؟
لماذا DW وليس الإعلام المغربي؟
المشكلة هنا ليست في أن وزيراً مغربياً أجرى مقابلة مع وسيلة إعلام أجنبية. فمن الطبيعي أن يتواصل المسؤولون مع الإعلام الدولي عندما تكون القضية ذات أبعاد خارجية.
لكن الإشكال يكمن في أن المواطن المغربي، قبل المشاهد الألماني أو الأوروبي، هو المعني الأول بمعرفة ما يجري مع أطفال مغاربة يوجدون في سبتة.
فالأسر المغربية التي تبحث عن أبنائها، والرأي العام الذي تابع تطورات الحدود، والصحافة المغربية التي تتابع الملف، كل هؤلاء يحتاجون إلى خطاب حكومي واضح ومباشر.
كان من المنتظر، في قضية بهذه الحساسية، أن تخرج الحكومة إلى المغاربة لتشرح: كم عدد القاصرين المغاربة الذين تم تحديد هويتهم؟ كم عدد الذين يمكن إعادتهم؟ ما الذي قامت به الرباط؟ ما الذي تطلبه من مدريد؟ وأين وصلت المفاوضات؟
بدلاً من ذلك، جاءت المعطيات الأكثر وضوحاً من مقابلة مع قناة ألمانية.
حكومة أخنوش.. أين الموقف الرسمي؟
السؤال لا يتوقف عند عبد اللطيف وهبي.
فإذا كان وزير العدل قد تحدث عن وجود عراقيل تحول دون إعادة القاصرين، وعن عدم التزام الجانب الإسباني ببعض مواعيد التسليم، فإن الرأي العام ينتظر أيضاً موقفاً حكومياً متكاملاً.
أين رئيس الحكومة عزيز أخنوش من هذا الملف؟
وأين القطاعات الحكومية المعنية بالهجرة والخارجية والتعاون الدولي والأسرة والطفولة؟
ثم لماذا لم يتحول هذا الملف، بعد التطورات الأخيرة في سبتة، إلى قضية حكومية واضحة تتحدث عنها السلطة التنفيذية أمام المغاربة؟
لا يتعلق الأمر هنا بملف هامشي أو بتفصيل إداري عابر، وإنما بأطفال مغاربة وجدوا أنفسهم على الجانب الآخر من الحدود، وبأسر تنتظر عودتهم أو معرفة مصيرهم.
صمت رسمي يفتح باب الأسئلة
الصمت الحكومي في مثل هذه القضايا لا يساعد على بناء الثقة.
فكلما غابت المعلومة الرسمية، اتسعت مساحة التأويل والإشاعات، وأصبح المواطن مضطراً إلى متابعة تصريحات متفرقة لمسؤولين أو وسائل إعلام أجنبية من أجل فهم ما تقوم به حكومته.
والأكثر إشكالاً أن تصريح وهبي يحمل اتهامات سياسية وقانونية ثقيلة تجاه الجانب الإسباني، من قبيل الحديث عن رفض إعادة القاصرين وعدم إحضار بعضهم في المواعيد المحددة.
هذه المعطيات، إذا كانت الحكومة تتبناها، يفترض أن تُعرض على المغاربة بشكل رسمي وواضح، لا أن تبقى مرتبطة بمقابلة تلفزيونية أجراها وزير مع قناة أجنبية.
سبتة بعد موجة العبور.. ملف القاصرين أكثر إلحاحاً
وتأتي هذه التصريحات في ظرف حساس للغاية، بعدما أصبحت قضية القاصرين واحدة من أبرز تداعيات موجة العبور الأخيرة نحو سبتة.
المعطيات المتداولة عن وجود أعداد كبيرة من القاصرين في المدينة جعلت الملف أكثر استعجالاً، ودَفعت إلى تحركات ومشاورات مغربية إسبانية للبحث عن مقاربة مشتركة.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن يعرف المغاربة أن هناك «اجتماعات ومباحثات».
المطلوب هو معرفة ما الذي أسفرت عنه هذه الاجتماعات؟
ومن يتحمل مسؤولية التعثر؟
وكم عدد الأطفال الذين ثبتت مغربيتهم؟
ومتى يمكن أن يعودوا إلى أسرهم؟
وهل توجد آلية رسمية لمتابعة كل حالة على حدة؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تظل معلقة.
وهبي مطالب بالحديث إلى المغاربة أيضاً
عبد اللطيف وهبي تحدث إلى قناة ألمانية، ووصلت رسالته إلى جمهور خارج المغرب.
لكن الرسالة الأهم هي تلك التي ينبغي أن تصل إلى الداخل.
المغاربة يريدون أن يسمعوا من وزير العدل، وباقي أعضاء الحكومة، ما الذي يجري بالضبط.
يريدون معرفة ما إذا كانت الرباط تملك فعلاً لوائح بأسماء القاصرين المغاربة، وما إذا كانت هناك مواعيد رسمية للتسليم، وما هي العراقيل التي حالت دون تنفيذها.
وإذا كانت السلطات الإسبانية، بحسب رواية الوزير، ترفض إعادة بعض القاصرين أو لا تحضرهم في المواعيد المتفق عليها، فإن السؤال الطبيعي هو: ما الذي فعلته الحكومة المغربية إزاء ذلك؟
لا يكفي تحميل إسبانيا المسؤولية
تحميل الجانب الإسباني مسؤولية التعثر، إن ثبتت المعطيات التي تحدث عنها وهبي، لا يعفي الحكومة المغربية من واجب التواصل.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة من يتحمل المسؤولية، وإنما يحتاج أيضاً إلى معرفة ماذا تفعل الدولة لحل المشكلة.
وإذا كان الملف محكوماً بإجراءات قضائية وقانونية إسبانية خاصة بحماية القاصرين، كما أوضح وهبي، فإن الحكومة مطالبة بشرح هذه المساطر للرأي العام، وتوضيح ما إذا كانت هناك قنوات قانونية ودبلوماسية لتجاوز الأزمة.
أزمة تواصل أكثر منها أزمة معلومات
ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الحكومة قد تكون في الواقع منخرطة في اتصالات مع الجانب الإسباني، لكن ضعف التواصل يجعل الرأي العام لا يعرف شيئاً عن تفاصيلها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تعاني الحكومة من أزمة في معالجة الملف، أم من أزمة في التواصل حوله؟
الجواب لا يمكن أن يأتي عبر تصريحات متفرقة.
الحاجة اليوم هي إلى خطاب رسمي واضح، وإلى مؤتمر أو ندوة صحفية تشرح للرأي العام حقيقة ما يجري، وتقدم أرقاماً ومعطيات دقيقة حول القاصرين المغاربة، ومسار المفاوضات مع مدريد، والآفاق المتوقعة لحل الملف.
المغاربة أولى بالجواب
في النهاية، لا ينبغي أن تتحول قضية القاصرين المغاربة في سبتة إلى ملف يعرف المغاربة تفاصيله من وسائل الإعلام الأجنبية أكثر مما يعرفونه من حكومتهم.
وإذا كان عبد اللطيف وهبي قد اختار أن يوجه رسالته عبر قناة ألمانية، فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً بقوة هو: متى ستوجه الحكومة المغربية خطابها إلى المغاربة أنفسهم؟
فالأسر المعنية لا تحتاج إلى تصريحات موجهة إلى الخارج فقط، والرأي العام لا يحتاج إلى روايات مجتزأة، والصحافة المغربية لا تحتاج إلى انتظار ما تقوله وسائل الإعلام الأجنبية.
ما يحتاجه الجميع هو جواب رسمي واضح: أين يوجد أطفال المغرب؟ ماذا فعلت الحكومة لاستعادتهم؟ ومن المسؤول عن استمرار هذا التعثر؟

تعليقات