أكواخ من القصب والأغصان.. كيف يواجه مهاجرو سبتة قسوة العراء؟

لم يعد الانتظار بالنسبة إلى عدد من المهاجرين العالقين في سبتة مجرد ترقب لمصير مجهول، بل تحول إلى مواجهة يومية مع قسوة العراء. وبعد أكثر من أسبوع قضوه دون مأوى، شرع بعضهم في بناء ملاجئ بدائية بأيديهم، مستعينين بالأعشاب والأغصان وقطع القماش وبقايا المواد التي يعثرون عليها في المكان، أملاً في الاحتماء من رطوبة البحر ورياح الليل.
وعلى شاطئ «الترامبولين»، بدأت ملامح هذا الواقع تظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، بعدما تحولت أجزاء منه إلى فضاء تنتشر فيه أكواخ صغيرة وخيام متفرقة. وبحسب صحيفة «إل فارو دي سبتة»، نقل تقرير نشر الأحد شهادات لشبان عالقين، تحدثوا عن الطريقة التي دفعهم بها طول الانتظار إلى بناء ملاجئ من الطين والقصب والأغصان.
ومن بين القصص التي تكشف حجم المعاناة، حكاية خالد عبد الله، الشاب النيجيري البالغ من العمر 23 عاماً، الذي وصل إلى سبتة سباحة يوم الخميس، بعد رحلة طويلة عبر النيجر والجزائر والمغرب، تاركاً والدته وإخوته خلفه. ويقول خالد إنه فر من العنف وانعدام الأمن في بلده، وإن العودة لم تعد خياراً بالنسبة إليه، مضيفاً أنه اضطر، بعد أكثر من أسبوع من النوم في العراء، إلى تشييد كوخ صغير بنفسه بعدما طال انتظار المساعدة.
ولا يشبه المأوى الذي بناه خالد منزلاً بالمعنى الحقيقي، فهو عبارة عن جدران هشة من الأغصان والأعشاب وسقف مرتجل، لكنه بالنسبة إليه يوفر الحد الأدنى من الحماية. ويروي الشاب أنه قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام قبل بلوغ المغرب، وأن رحلته كانت محفوفة بالمخاطر، خصوصاً في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر، مشيراً إلى أن النوم في الشارع، رغم قسوته، يبقى أهون من الخوف الذي عاشه في بلده.
وبالقرب منه، يعيش ألسان يابي كونفي، الشاب الإيفواري البالغ من العمر 29 عاماً، الذي وصل وحيداً بعد عبور المغرب ثم البحر سباحة، تاركاً أسرته وراءه. وعلى الشاطئ، وجد ألسان «عائلة جديدة» مؤقتة، يتقاسم أفرادها الطعام والماء والخوف والانتظار، في مشهد يعكس كيف جمعتهم الرحلة القاسية والمصير المجهول في المكان نفسه.
لكن الآمال التي حملها الشابان قبل الرحلة اصطدمت سريعاً بواقع مختلف. فقد تعرّفا إلى أخبار العبور الجماعي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يشقا طريقهما نحو المغرب ويعبرا البحر رفقة آلاف آخرين، وهما يتوقعان ظروفاً أفضل وغذاءً وماءً بشكل منتظم ومكاناً للنوم. غير أن الواقع كان مختلفاً، إذ وجدا نفسيهما أمام الحر نهاراً والرطوبة ليلاً، في وقت لا تكفي فيه المساعدات دائماً لتلبية احتياجات الجميع.
ورغم قسوة الظروف، يحرص خالد وألسان على شكر سكان سبتة ومن يقدمون لهم الطعام والشراب، حتى وإن كانت الكميات محدودة. ويقولان إنهما يحصلان أحياناً على وجبة واحدة يومياً، تتكون من الحليب والتفاح وقليل من الجبن، إضافة إلى قارورة ماء واحدة. كما تتوفر في المنطقة خدمات صحية ومرافق للنظافة جرى تحديثها حديثاً، غير أن المأوى يبقى المشكلة الأكبر، إلى جانب سؤال يرافق المهاجرين منذ وصولهم: ماذا سيحدث لهم بعد ذلك؟
وفي أماكن متفرقة من الشاطئ، تتكرر الصورة نفسها؛ شبان يجمعون الأعشاب اليابسة والأغصان، وآخرون يثبتون قطعاً من القماش أو البلاستيك، فيما تمكن بعضهم من الحصول على خيام. وبمرور الوقت، يحاول كل واحد منهم تحديد مساحة صغيرة يعتبرها مكانه الخاص، في محاولة لصناعة شيء يشبه البيت، ولو لم يتجاوز بضعة أغصان منصوبة فوق الرمال.
ولا تعني هذه الأكواخ، بالنسبة إلى خالد وألسان وغيرهما من الموجودين هناك، بحثاً عن استقرار دائم، وإنما تمثل حلاً مؤقتاً فرضه طول الانتظار وقسوة الظروف. وخلف كل كوخ قصة رحلة مختلفة، لكن القاسم المشترك بين معظم هؤلاء يظل موقفهم من العودة، إذ يؤكدون أنهم لا يريدون الرجوع.

تعليقات