آخر الأخبار

من يشتري التزكية ومن يبيع الانتماء؟ استقالات وانتقالات سياسية تثير الغضب قبيل الانتخابات

أعادت سلسلة من الاستقالات البرلمانية، التي حسمت المحكمة الدستورية في وضعيتها خلال الأسابيع الأخيرة، ظاهرة انتقال المنتخبين بين الأحزاب إلى واجهة النقاش السياسي، وذلك بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر المقبل.

وقضت المحكمة الدستورية بشغور عدد من المقاعد البرلمانية عقب توصلها بمراسلات من رئيس مجلس النواب بشأن استقالات مجموعة من الأعضاء، في وقت يستعد فيه عدد من هؤلاء لخوض الاستحقاقات المقبلة تحت ألوان سياسية مختلفة عن تلك التي ترشحوا بها في الانتخابات السابقة.

وتعيد هذه الخطوات إلى الواجهة إشكالية ما يعرف بـ«الترحال السياسي»، خصوصاً عندما يحدث الانتقال قبيل الانتخابات بفترة قصيرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المنتخب والناخب، ومدى احترام الاختيارات التي عبر عنها المواطنون في صناديق الاقتراع.

أسماء تغادر أحزابها وتبحث عن تزكيات جديدة

ومن بين الحالات المسجلة، استقال إدريس السنتيسي من عضوية مجلس النواب، بعدما غادر حزب الحركة الشعبية، الذي كان يشغل فيه مهمة رئيس الفريق النيابي خلال الولاية التشريعية الحالية.

وانتقل السنتيسي إلى حزب الاستقلال، حيث حصل على تزكية لخوض الانتخابات المقبلة باسمه في دائرة سلا المدينة، التي سبق أن ترشح فيها.

وفي حالة أخرى، غادرت زينب السيمو حزب التجمع الوطني للأحرار بعد تقديم استقالتها من عضوية مجلس النواب، قبل أن تحصل على تزكية من حزب الأصالة والمعاصرة لخوض الانتخابات بدائرة العرائش.

كما اختار عبد الحق الشفيق مغادرة حزب الحركة الشعبية والالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي منحه التزكية للترشح في دائرة عين الشق بالدار البيضاء.

انتقالات سياسية قبل الاستحقاق

وشملت الاستقالات أيضاً مبارك حمية، الذي غادر حزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما كان قد حصل، قبل أسابيع، على تزكية للترشح بدائرة وادي الذهب.

والتحق حمية بحزب الاستقلال، في انتظار الكشف عن التشكيلة النهائية لمرشحي الحزب في الدوائر الانتخابية بالصحراء.

كما غادر عمرو أوجيل حزب التجمع الوطني للأحرار بعد استقالته من مجلس النواب، قبل أن يحصل على تزكية حزب التقدم والاشتراكية لخوض الانتخابات المقبلة بدائرة الرشيدية.

وفي السياق ذاته، أعلنت المحكمة الدستورية شغور المقعد الذي كان يشغله أحمد الدهي باسم حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما قرر الاستقالة من المؤسسة التشريعية.

ومن المنتظر أن يخوض الدهي الانتخابات المقبلة باسم حزب التقدم والاشتراكية في دائرة بنسليمان، وهي الدائرة نفسها التي سبق أن فاز فيها بمقعد خلال الانتخابات الجزئية التي جرت في يونيو 2024.

«السنبلة» تستقطب وجوهاً انتخابية

وشملت التحركات السياسية كذلك خالد العجلي، الذي استقال من عضوية مجلس النواب وغادر حزب التجمع الوطني للأحرار، وسط ترتيبات لتمثيل حزب الحركة الشعبية في دائرة فاس الجنوبية خلال الاستحقاقات المقبلة.

كما استقطب حزب الحركة الشعبية ريم شباط، النائبة البرلمانية السابقة عن حزب جبهة القوى الديمقراطية، لتخوض الانتخابات المقبلة باسمه في دائرة فاس الشمالية، وفق معطيات متداولة.

الترحال السياسي يضع الأحزاب أمام امتحان المصداقية

ولا تكمن الإشكالية فقط في انتقال منتخب من حزب إلى آخر، بقدر ما تتعلق بتوقيت هذه الانتقالات والظروف التي تحيط بها.

فالانتقال السياسي قبيل موعد الانتخابات يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت المبادئ والبرامج والمرجعيات السياسية هي التي تحدد اختيارات بعض المرشحين، أم أن الحسابات الانتخابية وفرص الحصول على التزكية والفوز بالمقاعد أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد الوجهة الحزبية.

ويزيد هذا السلوك من حالة الشك لدى جزء من الناخبين، خصوصاً عندما يجد المواطن نفسه أمام مرشح صوت لصالحه باسم حزب معين، ثم يظهر في الانتخابات الموالية تحت راية سياسية مختلفة دون أن يكون هناك تحول واضح في مواقفه أو قناعاته المعلنة.

الناخب أمام «مرشح جديد» بوجه سياسي مختلف

ويرى منتقدون لظاهرة الترحال السياسي أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يتم الانتقال مباشرة قبل الانتخابات، لأن الناخب لا يملك دائماً الوقت الكافي لتقييم دوافع المرشح الجديد ومواقفه وبرنامجه داخل الحزب الذي اختار الالتحاق به.

كما أن كثرة الانتقالات قد تجعل الانتماء الحزبي يبدو، في نظر الرأي العام، مجرد وسيلة للوصول إلى التزكية الانتخابية، بدل أن يكون تعبيراً عن اقتناع سياسي ومشروع مجتمعي.

وهذا الأمر لا يضر بصورة المنتخب وحده، بل قد ينعكس أيضاً على صورة الأحزاب نفسها، عندما تتحول المنافسة بينها إلى سباق لاستقطاب أسماء انتخابية قادرة على جلب الأصوات، حتى لو كانت قد ترشحت في السابق بألوان سياسية منافسة.

منطق «الفوز بأي ثمن» يهدد الثقة السياسية

ويحذر متابعون للشأن السياسي من أن استمرار هذه الممارسات قد يعزز الانطباع لدى المواطنين بأن بعض الفاعلين السياسيين يتعاملون مع الانتخابات باعتبارها منافسة على المقاعد أكثر من كونها محطة لتقديم مشاريع وبرامج واضحة.

فالحزب الذي يستقطب مرشحاً معروفاً من حزب منافس قد يحقق مكسباً انتخابياً سريعاً، لكنه في المقابل يساهم، بشكل غير مباشر، في تكريس صورة مفادها أن الحدود بين المشاريع السياسية أصبحت قابلة للتغيير وفق موازين القوة الانتخابية.

كما أن تكرار الظاهرة قبل كل استحقاق انتخابي قد يغذي العزوف السياسي، ويعمق شعور الناخب بأن أسماء المرشحين وألوانهم الحزبية يمكن أن تتغير بسهولة، بينما تظل الوعود الانتخابية نفسها حاضرة في كل موسم انتخابي.

هل أصبحت التزكية أهم من الانتماء السياسي؟

وتطرح هذه التحركات سؤالاً آخر يتعلق بدور التزكية داخل الأحزاب، وما إذا كانت بعض القرارات المرتبطة بالترشح تُبنى أساساً على الاعتبارات التنظيمية والسياسية، أم على حسابات انتخابية محضة.

فالمرشح الذي ينتقل من حزب إلى آخر بحثاً عن تزكية انتخابية يضع الأحزاب أمام مسؤولية مضاعفة، لأن قبول مثل هذه الانتقالات دون نقاش سياسي واضح قد يضعف الهوية التنظيمية للأحزاب ويجعلها تبدو وكأنها مجرد منصات انتخابية.

في المقابل، تحتاج الأحزاب إلى إقناع الناخبين بأن استقطاب المرشحين لا يقوم فقط على قدرتهم على جلب الأصوات، وإنما على انسجامهم مع البرامج والتوجهات والمبادئ التي تدافع عنها التنظيمات السياسية.

الانتخابات المقبلة أمام اختبار الثقة

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تعود قضية الترحال السياسي إلى صدارة النقاش العام، وسط مطالب بضرورة إعادة الاعتبار للانتماء الحزبي وتعزيز وضوح العلاقة بين المرشح والناخب.

فالانتخابات لا تختبر فقط قدرة الأحزاب على حصد المقاعد، وإنما تختبر أيضاً قدرتها على استعادة ثقة المواطنين وإقناعهم بأن التنافس السياسي يقوم على البرامج والأفكار، وليس فقط على تبديل الألوان والشعارات.

وبقدر ما تكشف الاستقالات الأخيرة عن حيوية المشهد الانتخابي، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن استمرار سؤال أكبر: هل يختار السياسي الحزب الذي يؤمن بمشروعه، أم يختار الحزب الذي يعتقد أنه سيمنحه أفضل فرصة للفوز؟

ويبقى الحكم النهائي بيد الناخبين، الذين ستكون أمامهم فرصة تقييم هذه الانتقالات ومساءلة المرشحين عن أسباب تغيير انتماءاتهم، ومدى ثبات مواقفهم السياسية، وما إذا كانت اختياراتهم الجديدة تعكس قناعة حقيقية أم مجرد حسابات مرتبطة بالاستحقاق الانتخابي.

المقال التالي