بعد غياب طويل.. ظهور أخنوش في جماعة أكادير يتحول إلى “حدث” يثير أسئلة الحضور والمسؤولية

عاد عزيز أخنوش، رئيس المجلس الجماعي لأكادير، إلى الواجهة المحلية من بوابة اجتماع خصص لتتبع عدد من المشاريع التنموية التي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 200 مليون درهم.
لكن اللافت في هذا الظهور لا يتعلق فقط بقيمة المشاريع المعروضة، بل بتوقيت العودة نفسها، بعد غياب استمر نحو 14 شهراً عن اجتماعات مماثلة لتتبع مشاريع الجماعة.
والأكثر إثارة للانتباه أن ظهور رئيس جماعة في مقر جماعته، وقيامه بجولة للاطلاع على بعض المشاريع، تحول إلى مادة للترويج الإعلامي، مع نشر صور ومقاطع فيديو توثق حضوره وكأن الأمر يتعلق بحدث استثنائي، بينما يفترض أن يكون الحضور الميداني والتتبع المستمر جزءاً عادياً من مسؤوليات رئيس المجلس الجماعي.
14 شهراً من الغياب.. ثم عودة تحت الأضواء
المعطيات التي نشرتها جماعة أكادير تشير إلى أن الاجتماع الأخير يأتي بعد فترة طويلة لم يترأس خلالها أخنوش اجتماعات مماثلة لتتبع المشاريع.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً: هل أصبح حضور رئيس الجماعة إلى اجتماعات تتعلق بتدبير المدينة حدثاً يستحق كل هذا الاحتفاء؟
رئاسة جماعة بحجم أكادير ليست منصباً بروتوكولياً. فهي مسؤولية يومية ترتبط بتتبع المشاريع، ومراقبة سير المرافق، والتفاعل مع مشاكل الأحياء، وحضور اجتماعات المجلس ودوراته، ومتابعة الملفات التي تؤثر بشكل مباشر في حياة السكان.
لذلك، فإن عودة المسؤول المنتخب إلى ممارسة مهامه الطبيعية لا ينبغي أن تقدم للرأي العام باعتبارها إنجازاً في حد ذاتها.
صور وفيديوهات لتوثيق “الحضور”.. لكن أين الحضور الدائم؟
خلال الظهور الأخير، جرى تداول صور ومقاطع فيديو لأخنوش وهو يتجول داخل الجماعة ويتابع عدداً من المشاريع.
المشهد قد يبدو عادياً لأي مسؤول محلي، لكنه يصبح مثيراً للتساؤل عندما يوضع في سياق الغياب الطويل عن اجتماعات مماثلة.
فالمشكلة ليست في أن رئيس الجماعة تجول داخل المدينة أو اطلع على مشاريعها، بل في أن الحضور الطبيعي للمسؤول المنتخب لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة إعلامية استثنائية.
المواطن لا يحتاج فقط إلى صور المسؤول وهو يتفقد المشاريع.
بل يحتاج إلى معرفة ماذا تحقق فعلياً، وما هي المشاريع التي انتهت، وما هي التي تأخرت، وما هي أسباب التأخر، ومتى ستنطلق الأوراش الجديدة، ومن يتحمل مسؤولية أي اختلال في التنفيذ.
200 مليون درهم.. الرقم الكبير لا يعني أن المشاريع أنجزت
قدمت جماعة أكادير مشاريع تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 200 مليون درهم.
وتشمل هذه المشاريع إعادة التأهيل الحضري لأنزا العليا، وإعادة تأهيل حديقة الأمل بأنزا، والتهيئة الحضرية لحي أغروض ببنسركاو، وإعادة تأهيل حي أحلاكا، إلى جانب الممر الأخضر الرابط بين تدارت وأنزا، وإنجاز ملاعب لكرة القدم بعدد من أحياء المدينة.
لكن هناك تفصيلاً مهماً يجب عدم تجاهله.
المشاريع المعروضة لا تعني بالضرورة أن الأشغال انطلقت أو أن الأموال صُرفت فعلياً.
فالاجتماع خصص أساساً لمناقشة التصورات المعمارية والتقنية، مع تقديم توجيهات بشأن مراجعة بعض الاختيارات وتحسين مكونات عدد من المشاريع.
كما أن المعطيات المنشورة لم تحدد بشكل واضح مواعيد إطلاق الصفقات أو بداية الأشغال أو تاريخ الانتهاء منها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: متى ستتحول أرقام الاستثمارات والتصاميم والصور الرسمية إلى أوراش حقيقية يستفيد منها سكان أكادير؟
أكادير لا تحتاج إلى “حضور موسمي” للمسؤولين
أكادير مدينة كبرى، وتواجه تحديات مرتبطة بالتعمير، والنقل، والفضاءات العمومية، والبنيات الرياضية، وتأهيل الأحياء.
هذه الملفات لا يمكن تدبيرها بمنطق الظهور المناسباتي.
فالمدينة تحتاج إلى حضور مؤسساتي مستمر، وإلى اجتماعات منتظمة، وتتبع دقيق للمشاريع، وتواصل واضح مع السكان، وليس فقط إلى صور المسؤول وهو يتفقد ورشاً أو يعقد اجتماعاً بين الحين والآخر.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول عودة أخنوش إلى الجماعة، وإنما حول مدى انتظامه في أداء المهام المرتبطة بمنصبه كرئيس للمجلس الجماعي.
رئيس الحكومة ورئيس الجماعة.. ازدواجية المسؤوليات تحت المجهر
يزداد هذا النقاش حساسية بسبب كون عزيز أخنوش لا يشغل فقط منصب رئيس المجلس الجماعي لأكادير، بل يرأس أيضاً الحكومة المغربية.
وهذا يعني أن حجم مسؤولياته الوطنية والمحلية كبير جداً.
ومن الطبيعي أن يطرح المواطنون أسئلة حول قدرة المسؤول على الجمع بين موقعين يتطلب كل واحد منهما حضوراً وتتبعا مستمرين.
فإذا كان رئيس الحكومة مطالباً بتتبع ملفات وطنية كبرى، فإن رئيس جماعة أكادير مطالب بدوره بالحضور إلى اجتماعات المجلس، ومتابعة المشاريع، والاستماع إلى المنتخبين، والتفاعل مع مشاكل السكان.
ولهذا، فإن تحويل مجرد الظهور في الجماعة إلى مناسبة للاحتفاء الإعلامي قد يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل المطلوب من المسؤول أن يظهر فقط، أم أن يكون حاضراً بشكل دائم في تفاصيل تدبير المدينة؟
ما الذي ينتظره سكان أكادير فعلياً؟
سكان أكادير لا يحتاجون فقط إلى صور جديدة لرئيس الجماعة.
هم بحاجة إلى أجوبة دقيقة حول المشاريع المعلنة، وآجال تنفيذها، وكلفتها النهائية، ونسب تقدمها، وأسباب أي تأخير محتمل.
كما أن الرأي العام المحلي يحتاج إلى تقييم واضح للحصيلة، بعيداً عن لغة الصور الرسمية والبلاغات.
فالنجاح في تدبير مدينة لا يقاس بعدد الصور التي يظهر فيها المسؤول وسط الأوراش، وإنما بما يتغير فعلياً في حياة المواطنين.
المطلوب ليس عودة أخنوش.. بل انتظام الحضور والمحاسبة
يمكن اعتبار الاجتماع الأخير خطوة إيجابية إذا كان بداية لعودة فعلية ومنتظمة إلى تدبير الشأن المحلي.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في اجتماع واحد، ولا في جولة ميدانية، ولا في مجموعة من الصور والفيديوهات.
الاختبار الحقيقي سيكون في استمرارية الحضور، وانتظام الاجتماعات، وتسريع المشاريع، واحترام الآجال، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما تقديم حضور رئيس الجماعة في مقر الجماعة أو تجوله بين المشاريع وكأنه حدث استثنائي، فيطرح أكثر مما يقدم من أجوبة.
ففي النهاية، الحضور في الجماعة ليس إنجازاً يحتفى به، بل واجب من صميم المسؤولية التي اختارها صاحبها عندما تولى رئاسة المجلس.

تعليقات