البطالة.. لماذا أثارت نسبة 9.5% عاصفة من الجدل قبل الانتخابات التشريعية؟ وبووانو يشكك في الرقم

أثار إعلان المندوبية السامية للتخطيط تسجيل تراجع معدل البطالة في المغرب إلى 9.5 في المائة وفق نظام جديد لاحتساب مؤشرات سوق الشغل، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، خاصة أن الإعلان جاء قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما دفع عددا من المتابعين والسياسيين إلى التشكيك في دلالات هذه الأرقام وفي توقيت الكشف عنها.
وبينما تؤكد المندوبية أن المنهجية الجديدة تستجيب لأحدث معايير منظمة العمل الدولية، يرى منتقدون أن تغيير طريقة القياس في هذا الظرف بالذات يجعل المقارنة مع السنوات السابقة غير دقيقة، ويطرح تساؤلات بشأن مدى تعبير الأرقام الجديدة عن الواقع الحقيقي لسوق الشغل.
ما الذي تغير في طريقة احتساب البطالة؟
اعتمدت المندوبية السامية للتخطيط منهجية جديدة في قياس البطالة وسوق الشغل، انسجاما مع القرار الصادر عن المؤتمر الدولي التاسع عشر لإحصائيي العمل التابع لمنظمة العمل الدولية.
وبموجب هذا النظام، أصبح تعريف العاطل عن العمل أكثر تحديدا، إذ يقتصر على الأشخاص الذين لا يشتغلون، ويبحثون بشكل نشط عن فرصة عمل، ويستطيعون الالتحاق بها خلال فترة زمنية محددة. كما أدخلت المنهجية الجديدة تصنيفات إضافية تشمل فئات كانت في السابق تدخل ضمن العاطلين، لكنها أصبحت تصنف ضمن ما يعرف بـ”القوى العاملة المحتملة” أو الأشخاص خارج سوق الشغل لأسباب مختلفة.
ويرى مختصون أن هذا التغيير يؤدي بطبيعته إلى انخفاض معدل البطالة الإحصائي، حتى وإن لم يشهد سوق العمل تحسنا موازيا في عدد مناصب الشغل المحدثة.
عبد الله بووانو يشكك في الأرقام ويثير مفارقة مع تصريحات والي بنك المغرب
ومن أبرز المنتقدين لهذه الأرقام، عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، الذي خصص جزءا من مداخلته في برنامج “للحديث بقية” الذي بثته القناة الأولى مساء أمس، للحديث عن ما وصفه بالتناقض في المعطيات الرسمية المتعلقة بالبطالة.
وقال بووانو إن الإعلان عن تراجع البطالة إلى 9.5 في المائة جاء بعد أيام قليلة فقط من تصريحات والي بنك المغرب، الذي أكد أن معدل البطالة في المملكة يتجاوز 13 في المائة، متسائلا: “أي الرقمين يعكس الواقع؟”.
واعتبر أن هذا التباين بين مؤسستين رسميتين يثير علامات استفهام حول المؤشر الذي ينبغي اعتماده عند تقييم وضعية سوق الشغل في المغرب.
انتقاد توقيت الإعلان قبل الانتخابات التشريعية
ولم يقتصر انتقاد بووانو على مضمون الأرقام، بل شمل أيضا توقيت نشرها، إذ اعتبر أن الكشف عن انخفاض البطالة قبل أيام فقط من الانتخابات التشريعية المقبلة يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن هذه المعطيات قد تُستغل سياسيا باعتبارها مؤشرا على تحسن أداء الحكومة في ملف التشغيل.
وأشار إلى أن اعتماد نظام جديد لاحتساب البطالة كان من الأجدر أن يتم مع بداية الولاية الحكومية المقبلة، حتى لا تختلط النتائج الإحصائية الجديدة بالتقييم السياسي لأداء الحكومة الحالية.
ويرى متابعون أن توقيت نشر هذه الأرقام فتح الباب أمام اتهامات تعتبر أن الإعلان قد يُفهم على أنه يمنح الحكومة الحالية دفعة سياسية قبل الاستحقاقات الانتخابية، في حين تؤكد المؤسسات الرسمية أن اعتماد المنهجية الجديدة يدخل في إطار تحديث المنظومة الإحصائية الوطنية وملاءمتها مع المعايير الدولية.
بووانو: وفق المنهجية السابقة كانت البطالة ستتجاوز 17 في المائة
وخلال حديثه، أكد بووانو أن العودة إلى منهجية الاحتساب السابقة، التي كانت تعتمد على مجموعة أوسع من الأسئلة والمعايير لتحديد وضعية الباحثين عن العمل، كانت ستقود إلى نتائج مختلفة تماما.
وأوضح أن نسبة البطالة، لو تم احتسابها وفق النظام السابق خلال النصف الثاني من سنة 2026، كانت ستتجاوز 17 في المائة، معتبرا أن المقارنة بين النسب القديمة والجديدة دون الإشارة إلى اختلاف المنهجية قد تؤدي إلى استخلاصات مضللة بشأن تطور سوق الشغل.
خبراء: تغيير المنهجية لا يعني بالضرورة تحسن سوق الشغل
ويرى عدد من المختصين في الإحصاء واقتصاديات الشغل أن تغيير المنهجيات الإحصائية يعد أمرا طبيعيا عندما يتم اعتماد معايير دولية جديدة، غير أن الإشكال يكمن في كيفية تقديم النتائج للرأي العام.
ويؤكد هؤلاء أن انخفاض معدل البطالة الناتج عن تغيير التعريفات الإحصائية لا يعني تلقائيا خلق فرص شغل جديدة أو تحسن الظروف الاقتصادية، بل يتطلب قراءة شاملة لمختلف المؤشرات، من بينها معدل النشاط، ونسبة التشغيل، وعدد المناصب المحدثة، وحجم الشغل الناقص، إضافة إلى تطور الأجور والإنتاجية.
جدل مرشح للاستمرار
ويبدو أن الجدل حول نسبة البطالة الجديدة لن يتوقف عند حدود النقاش الإحصائي، بل مرشح لأن يتحول إلى أحد أبرز ملفات الحملة الانتخابية، في ظل استمرار تبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة بشأن حصيلة الحكومة في مجال التشغيل.
وبين من يعتبر اعتماد المنهجية الجديدة خطوة تقنية تفرضها المعايير الدولية، ومن يرى أن توقيت الإعلان يطرح أسئلة سياسية مشروعة، يبقى الرأي العام في انتظار مؤشرات إضافية توضح الصورة الحقيقية لسوق الشغل، وتحسم الجدل بشأن ما إذا كان انخفاض البطالة يعكس بالفعل تحسنا اقتصاديا، أم أنه نتيجة مباشرة لتغيير طريقة الاحتساب.

تعليقات