المسكوت عنه في رحلة المجهول إلى سبتة.. الفتيات بين مطرقة البحر وسندان الاعتداءات الجنسية

تتوارى خلف أرقام الهجرة السرية وتبعاتها السياسية والأمنية قصص فاجعة تنبض بالوجع والصمت، وتكشف عن وجه آخر أكثر قسوة لهذه المغامرات المعتمة التي تخوضها فئات هشة بحثا عن أمل مفترض. ففي الوقت الذي اتجهت فيه أنظار المتابعين والإعلام في الأيام الأخيرة إلى التحركات الجماعية والاستنفار الأمني على المعابر الحدودية بين الفنيدق وسبتة المحتلة، ظهرت حقيقة مؤلمة ظلت بعيدة عن التغطيات السائدة، تتعلق بالانتهاكات الجسيمة التي طالت عددا من الفتيات والقاصرات اللواتي اندفعن في هذه الموجة، ليجدن أنفسهن في مواجهة خطر مضاعف ينبع من قلب الظروف التي رفقن فيها بني جيلهن.
وتكشف معطيات حصرية نقلا عن مصادر أمنية إسبانية خاصة من داخل مدينة سبتة، أن جانبا مظلما شهده هذا التدفق، إذ تعرض عدد من الفتيات بينهن قاصرات من اللواتي تمكن من العبور للتطاول والاعتداء الجنسي من قبل بعض الشباب الذين شاركوهن الرحلة ونفس ظروف العبور.
وتوضح هذه المصادر في تصريح خاص لموقع مغرب تايمز، أن وصول مجموعات الشباب إلى سبتة في أوقات متأخرة من المساء واضطرارهم للاختباء داخل الغابات والأنحاء المظلمة لقضاء الليلة، وفر بيئة خالية من أي رقابة، استغلها بعض الشباب للاعتداء على هؤلاء الفتيات والمساس بحرماتهن، في لحظات مفصلية كان يُفترض فيها أن يسود التضامن وحسن الجوار الإنساني.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن عناصر الشرطة الإسبانية اضطرت للتدخل المباشر في عدة مناسبات لإنقاذ فتيات قاصرات في لحظات حرجة وقبل وقوع اعتداءات وشيكة عليهن.
وبادرت السلطات المختصة، عقب عمليات الإعادة والترحيل المشتركة لغالبية المهاجرين، إلى نقل الفتيات القاصرات الباقيات بصورة مستعجلة إلى مراكز إيواء وحماية خاصة لتوفير البيئة الآمنة ومنع أي تجاوزات إضافية قد تمس سلامتهن الجسدية والنفسية، وهو ما يبرز حجم الخطر المحدق الذي عانين منه في تلك الخلوات الاضطرارية.
ورغم حجم الأذى والترهيب، فضلت غالبية الفتيات المتضررات لزوم الصمت والامتناع عن تقديم شكاوى رسمية، كتمانا للمعاناة وفرارا من نظرات المجتمع والأحكام الجاهزة التي غالبا ما تلاحق الضحايا في مثل هذه الظروف السريعة والمعقدة. هذا الصمت المطبق لا يعكس نسيانا أو تجاورا لما حدث، بقدر ما يجسد عمق الصدمة وخشية التبعات الاجتماعية، مما يجعل هذه الانتهاكات ملفا مسكوتا عنه يختبئ تحت طيات أرقام المحاولات والإحصاءات الرسمية.
وأمام خطورة هذه الشهادات والوقائع الصادمة، سارعت السلطات الإسبانية إلى فتح تحقيق قضائي وأمني مكثف للكشف عن ملابسات هذه الاعتداءات وتحديد هوية المتورطين فيها، حيث تهدف هذه التحقيقات إلى تتبع التجاوزات التي وقعت في تلك الليالي الاستثنائية، وتوفير المتابعة النفسية والقانونية اللازمة للضحايا، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب رغم تعقيدات الظروف الحدودية وصمت الكثير من المتضررات.
إن هذه التصرفات الصادرة عن بعض الشباب تسقط أي قناع أخلاقي وتفضح تناقضا صارخا؛ فمن المؤسف والحيود عن كل قيم النخوة والإنسانية أن يتحول من هم في أشد الحاجة إلى العون والأمان إلى مصدر تهديد لرفيقاتهن في الرحلة. فالفتيات اللواتي خضن هذه المخاطرة وجدن أنفسهن في وضعية ضعف وهشاشة تقتضي الحماية والدعم، وليس الاستغلال والاعتداء. هذا السلوك اللامسؤول لا يسيء فقط إلى مرتكبيه بل يدمي قلب كل حريص على كرامة الإنسان، ويذكر بأن الأزمات لا ينبغي أن تكون مسوغا للتخلي عن المبادئ الأخلاقية الأساسية، وأن حماية المستضعفين تظل واجبا يعلو فوق كل اعتبار.

تعليقات