2.68 مليار درهم لتهيئة ملعب بنسليمان.. هل تعكس صفقات المونديال أولويات المغرب؟

في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاستعدادات المغربية لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، أطلقت الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة طلب عروض دوليا مفتوحا لإنجاز أشغال التهيئة الخارجية للملعب الكبير الحسن الثاني بإقليم بنسليمان، بصفقة تناهز قيمتها 2.68 مليار درهم، ما يعيد إلى الواجهة حجم الإنفاق المرتبط بالمشاريع الرياضية الكبرى، ويفتح في الوقت نفسه نقاشا حول ترتيب الأولويات في الاستثمار العمومي.
وتتعلق الصفقة بالحصة السابعة من المشروع، المخصصة لأشغال التهيئة الخارجية، فيما حُدد مبلغ الضمان المؤقت للمشاركة في طلب العروض في 45 مليون درهم، بما يعكس ضخامة الورش المرتبط بملعب يُرتقب أن يكون من أبرز المنشآت الرياضية في المملكة.
ولا تقف الأشغال عند حدود تهيئة الطرق والمسالك، إذ تشمل ممرات الولوج والساحات وممرات المشاة والمنشآت التقنية، إلى جانب المباني المخصصة للتشغيل والصيانة والأمن، بما يجعل الصفقة جزءا أساسيا من تجهيز محيط الملعب وتأهيله لاستقبال التظاهرات الرياضية الكبرى.
وتتسع لائحة الأشغال لتشمل أيضا شبكات التطهير والمياه والكهرباء والاتصالات والألياف البصرية، فضلا عن تهيئة المساحات الخضراء وتركيب أنظمة السقي وتجهيز الفضاءات بالأثاث الحضري والإضاءة والتشوير، إضافة إلى اعتماد ألواح للطاقة الشمسية.
لكن حجم الغلاف المالي يفرض نفسه بقوة عند وضعه في سياق أولويات الإنفاق العمومي. فالحكومة أعلنت، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، تخصيص 97 مليار درهم لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي، بينما تبلغ الميزانية المرصودة لقطاع الرياضة نحو 2.05 مليار درهم خلال السنة نفسها. وبذلك، فإن قيمة صفقة تهيئة محيط ملعب بنسليمان وحدها تتجاوز الميزانية السنوية المعلنة لقطاع الرياضة بحوالي 630 مليون درهم، أي بنحو 31 في المائة.
وتزداد المفارقة وضوحا بالنظر إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يضع تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ضمن أولوياته، مع إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وقد خُصص للبرنامج ذي الأولوية الموجه إلى المناطق القروية وشبه الحضرية غلاف مالي أولي قدره 20 مليار درهم، بهدف تنفيذ إجراءات ذات أثر اجتماعي مباشر.
ولا يعني ذلك بالضرورة وضع الاستثمار الرياضي في مواجهة مباشرة مع التعليم أو التنمية الاجتماعية، خصوصا أن مشاريع الملاعب الكبرى يمكن أن تخلق نشاطا اقتصاديا وفرصا للشغل وتدعم جاذبية المدن والبنيات التحتية. غير أن ضخامة الاعتمادات تطرح سؤالا مشروعا حول العائد الاقتصادي والاجتماعي المنتظر، ومدى قدرة هذه الاستثمارات على إنتاج أثر مستدام يتجاوز فترة تنظيم كأس العالم.
وعلى مستوى التشغيل ودعم الإنتاج الوطني، يفرض دفتر التحملات على الشركة التي سترسو عليها الصفقة تشغيل ما لا يقل عن 20 في المائة من اليد العاملة المحلية، مع إعطاء الأفضلية للمواد والمنتجات المصنعة بالمغرب، وعدم اللجوء إلى الاستيراد إلا عند غياب بدائل تستجيب للمواصفات التقنية المطلوبة، وهو ما يمنح المشروع بعدا اقتصاديا يتجاوز الجانب الرياضي.
وبالتوازي مع ذلك، تتواصل تعبئة الصفقات المرتبطة بالمشروع، بعدما أُطلقت صفقة خاصة بالمصاعد والسلالم المتحركة بقيمة 126.3 مليون درهم، ليرتفع عدد الصفقات المطروحة إلى سبع صفقات من أصل اثنتي عشرة صفقة مبرمجة ضمن المشروع.
ومع إضافة الصفقة الجديدة، تقترب الكلفة الإجمالية لمشروع ملعب الحسن الثاني من 13 مليار درهم، فيما تمتد الأشغال على مساحة تناهز 100 هكتار، وتبلغ مساحة الملعب الرئيسي نحو 226 ألف متر مربع، على أن تُستكمل الأشغال الأساسية مع نهاية سنة 2027.
وبين طموح المغرب إلى تشييد منشآت رياضية بمواصفات عالمية، والالتزامات المعلنة تجاه التعليم وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، تبدو صفقة الـ2.68 مليار درهم أكثر من مجرد رقم في دفتر الصفقات؛ فهي تعيد طرح سؤال أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات التحضير لمونديال 2030 وبين أولويات التنمية اليومية للمواطن، ومدى ضمان أن تتحول هذه الاستثمارات الضخمة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة بعد إسدال الستار على الحدث الرياضي.

تعليقات