مذكرة ترصد مآلات أزمة سبتة.. دعم أوروبي لإسبانيا دون تحميل المغرب مسؤولية العبور الجماعي

تكشف مذكرة تحليلية خاصة حول أزمة العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أن الاجتماع الاستثنائي لوزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي انتهى بإظهار تضامن واسع مع إسبانيا، من دون توجيه أي اتهام رسمي إلى المغرب أو اتخاذ قرار بمراجعة الشراكة معه في مجال الهجرة، في وقت انتقل فيه مركز الأزمة من تدبير الحدود وإعادة الوافدين إلى البحث عن المفقودين والتكفل بمئات القاصرين غير المصحوبين بذويهم.
وحملت المذكرة، التي صدرت أمس الثلاثاء 4 غشت 2026، عنوان «مذكرة الوضع والفهم – سبتة ومليلية»، وأعدتها شركة «GMS Consulting»، وهي شركة استشارات مغربية خاصة تأسست في الرباط سنة 2010، وتشتغل، بحسب ما يورده موقعها المهني، في مجالات الرصد الإعلامي واليقظة الاستراتيجية وتحليل المحتوى الرقمي والسمعة الإلكترونية.
وعلى مستوى الموقف الأوروبي، تشير المذكرة إلى أن الاجتماع غير الرسمي لوزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي، الذي عُقد بطلب من إسبانيا و22 دولة عضو، انتهى إلى إعلان تضامن كامل مع مدريد، مع الاتفاق على سبعة محاور للعمل، تشمل تعزيز حماية الحدود الخارجية، وتسريع عمليات الإرجاع، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، ورصد حملات التضليل، وتقديم دعم مالي عاجل لإسبانيا لتدبير الأزمة.
لكن اللافت سياسيًا، بحسب المذكرة، أن الاتحاد الأوروبي لم يوجه أي انتقاد إلى المغرب، بل وجه المفوض الأوروبي المكلف بالشؤون الداخلية الشكر إلى المملكة على تعاونها، كما جرى التذكير بأن المغرب مدرج ضمن قائمة «دول المنشأ الآمنة»، وهو ما ييسر إجراءات إعادة المهاجرين. ولم تتضمن مخرجات الاجتماع أي حديث عن مراجعة الشراكة مع الرباط في مجال الهجرة، رغم أن هذا المطلب كان مطروحًا في الرسالة التي وقعتها 22 دولة أوروبية قبل الاجتماع.
وفي مقابل هذا الموقف الموحد نسبيًا تجاه مدريد، ترصد المذكرة انتقال الخلاف الأوروبي من مسألة العلاقة مع المغرب إلى انقسام داخل الاتحاد نفسه، إذ دافعت بعض الدول عن الموقف الإسباني، بينما ركزت دول أخرى، من بينها إيطاليا وفنلندا، انتقاداتها على طريقة إدارة مدريد للأزمة وانعكاساتها على فضاء شنغن.
أما في الرباط، فتتحدث المذكرة عما وصفته بـ«التحول في العقيدة السياسية»، عقب تصريحات منسوبة إلى مصدر حكومي، شددت على أن المغرب «ليس شرطيًا ولا حارس حدود لأوروبا»، وأن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ينبغي إعادة النظر فيها بما يضمن الندية وتوازن المصالح.
وتبرز الوثيقة خمسة تحولات رئيسية في الرسالة المغربية، أبرزها رفض أن يؤدي المغرب دور الطرف الذي يتولى تنفيذ سياسات الهجرة الأوروبية، والدعوة إلى مراجعة قواعد التعاون الحالية، والتأكيد على أن الدعم المالي الأوروبي ليس المحرك الرئيسي للسياسة المغربية، إلى جانب مطالبة أوروبا بالتوقف عن تبني سياسات تعتبرها الرباط معيقة لتنميتها الاقتصادية، لا سيما في مجالات الموانئ وصناعة السيارات والقطاع المالي والخدمات.
وقبيل انعقاد الاجتماع الأوروبي، لاحظت المذكرة أن هذا الخطاب المغربي صدر في توقيت حساس، قبل أن تنتهي المحادثات الأوروبية دون تحميل المغرب أي مسؤولية عن الأزمة أو الإعلان عن مراجعة للشراكة معه في مجال الهجرة.
ومع تراجع التركيز على لحظة العبور الجماعي، ترى المذكرة أن الأزمة دخلت عمليًا مرحلة جديدة عنوانها تدبير أوضاع القاصرين غير المصحوبين بذويهم، بعدما بلغ عددهم داخل مراكز الاستقبال في سبتة 862 قاصرًا، مع تقديرات رسمية أخرى تشير إلى اقتراب العدد من ألف قاصر، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية العادية لهذه المراكز 29 مكانًا.
وأمام هذا الضغط المتزايد، فعلت الحكومة الإسبانية آلية التوزيع الإلزامي للقاصرين على مختلف الأقاليم الإسبانية، مع تخصيص اعتماد مالي استثنائي يتراوح بين 25 و30 مليون يورو، وتهيئة مراكز إيواء إضافية، في وقت تتوقع فيه مدريد نزاعات قانونية مع بعض الأقاليم التي تعارض هذا النظام.
وفي الجانب الإنساني، تكشف المذكرة عن استمرار التباين الكبير في حصيلة الضحايا، إذ تتحدث السلطات المغربية عن 11 وفاة، بينما رفعت السلطات الإسبانية حصيلتها إلى 75 قتيلًا، في حين تورد وسائل إعلام ومنظمات حقوقية أرقامًا أعلى تصل إلى نحو 130 ضحية.
وبينما تتباين الأرقام بشكل كبير، تشدد المذكرة على أن هذه الحصائل صادرة عن مصادر مختلفة، ولم يجر توحيدها أو التحقق منها ضمن حصيلة مشتركة. كما تشير إلى أن الحرس المدني الإسباني فتح، لأول مرة، مكتبًا خاصًا لتلقي بلاغات المفقودين، سجل منذ افتتاحه ما لا يقل عن 44 حالة اختفاء، معظمها لشباب وقاصرين، بالتوازي مع إجراء 22 عملية تشريح للجثث، ومواصلة عمليات تحديد الهويات عبر البصمات والحمض النووي.
وفي ما يتعلق بالجدل حول الجهة التي تقف وراء موجة العبور، تخلص المذكرة، استنادًا إلى تحليل التقرير الإسباني المعتمد على المصادر المفتوحة «OSINT»، إلى أن التقرير لا يتضمن ما يثبت وجود مشاركة مباشرة للدولة المغربية أو أجهزتها الاستخباراتية في تنظيم موجة العبور، رغم توثيقه تصاعد الحملات الرقمية عقب قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز، والذي جرى تأويله بشكل مضلل على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره يمنع إعادة كل من يدخل إلى إسبانيا عبر البحر.
وفي السياق ذاته، توضح المذكرة أن بعض الادعاءات المتداولة في وسائل إعلام إسبانية، من قبيل الحديث عن «عملاء متسللين» أو «أقمار صناعية مغربية أشرفت على العملية»، لا تزال تفتقر إلى أدلة مستقلة تؤكدها، ولم تتجاوز، وفق ما تخلص إليه الوثيقة، مستوى الادعاءات الإعلامية أو الدعاوى التي رفعتها بعض الجمعيات، دون أن تتحول إلى نتائج رسمية أو تحقيقات قضائية تثبتها.

تعليقات