المغرب واستقلال الطاقة.. لماذا ما زلنا نعتمد على إسبانيا في الغاز المسال؟

في عالم تتزايد فيه الأزمات الجيوسياسية، لم تعد السيادة الطاقية ترفاً اقتصادياً، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية للأمن القومي للدول. ويبدو أن المغرب، رغم الخطوات التي قطعها في مجال الطاقات المتجددة، لا يزال يواجه تحدياً حقيقياً في ملف الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول مدى جاهزية المملكة لمواجهة أي ضغوط خارجية قد تستهدف أمنها الطاقي.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكبر في ظل اعتماد المغرب على استيراد جزء من احتياجاته من الغاز الطبيعي المسال عبر بنية تحتية توجد خارج حدوده، حيث تتم إعادة تغويز الغاز في إسبانيا قبل نقله إلى المملكة. ورغم أن هذا الخيار وفر للمغرب حلاً عملياً بعد توقف تدفقات الغاز عبر الأنبوب المغاربي-الأوروبي سنة 2021، إلا أنه أبقى جزءاً من سلسلة الإمداد رهيناً بعوامل خارجية لا يتحكم فيها بشكل كامل.
ويأتي هذا النقاش في سياق حساس، خاصة بعد التوتر الذي رافق الأحداث الأخيرة بمدينة سبتة المحتلة، والتي أعادت إلى الواجهة طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية وإمكانية تأثرها بالتطورات السياسية والأمنية. وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين أن استمرار اعتماد المغرب على منشآت إسبانية لإعادة تغويز الغاز قد يشكل نقطة ضعف استراتيجية، إذ إن أي توتر سياسي مستقبلي قد يدفع مدريد، نظرياً، إلى استخدام هذا الملف كورقة ضغط، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو احتمال يفرض على صناع القرار التفكير في بدائل تضمن استقلالية أكبر في مجال الطاقة.
ورغم أن المغرب أعلن منذ سنوات عن مشاريع لإنشاء محطة وطنية لاستقبال وإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تطوير شبكة الغاز الوطنية وربطها بمناطق الاستهلاك والإنتاج، فإن هذه المشاريع لم تر النور بعد، الأمر الذي جعل ملف السيادة الطاقية يراوح مكانه في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية.
وتتجه أصابع الانتقاد في هذا السياق إلى حكومة عزيز أخنوش، التي يعتبر منتقدوها أنها لم تحقق تقدماً ملموساً في تنزيل المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالغاز الطبيعي، رغم الإمكانيات التي أتيحت لها خلال السنوات الماضية. ويرى هؤلاء أن الحكومة ركزت على الإعلان عن مشاريع وخطط مستقبلية، دون أن تتمكن من توفير بنية تحتية وطنية تضمن للمغرب استقلالية أكبر في هذا القطاع الحيوي، وهو ما أبقى المملكة في وضعية اعتماد جزئي على منشآت خارجية.
ويؤكد خبراء في مجال الطاقة أن تحقيق السيادة الطاقية لا يعني الاستغناء الكامل عن الاستيراد، بل يقتضي امتلاك الدولة للبنية التحتية التي تمنحها حرية اختيار الموردين وتدبير الإمدادات دون الارتباط بمنشآت توجد خارج حدودها. ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء محطة مغربية للغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تسريع مشاريع التخزين والنقل، أصبح ضرورة استراتيجية أكثر منه مجرد مشروع اقتصادي.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، يبدو أن تعزيز الأمن الطاقي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح أحد أبرز التحديات التي تنتظر الحكومة، خاصة إذا أراد المغرب تحصين قراره السيادي وتفادي أي تبعية قد تستغلها أطراف خارجية في أوقات الأزمات.

تعليقات