آخر الأخبار

وثيقة أمريكية تصف سبتة ومليلية بـ”المدينتين المغربيتين” وتشعل جدلا جديدا مع إسبانيا (وثيقة)

تتصدر قضية سبتة ومليلية واجهة الأحداث من جديد، بعدما كشفت وثيقة رسمية صادرة عن الكونغرس الأمريكي وصفت المدينتين بأنهما تقعان داخل التراب المغربي، رغم خضوعهما للإدارة الإسبانية، ودعت إلى فتح نقاش دبلوماسي بين الرباط ومدريد حول مستقبلهما.

يتجدد الجدل حول هذه الوثيقة بقوة، بعدما نشر النائب الجمهوري توماس ماسي مقتطفا منها على حسابه في منصة «إكس»، يوم السبت، معتبرا أن مجلس النواب الأمريكي صوّت، قبل أسبوعين، على مشروع يمهد لنقل أراضٍ خاضعة لإسبانيا إلى المغرب، مؤكدا أنه كان الجمهوري الوحيد الذي عارضه.

يكشف الرجوع إلى المصدر الرسمي أن المقتطف المتداول مأخوذ من التقرير رقم 119-631، الذي أعدته لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، لمرافقة مشروع قانون تمويل الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها. وتنص فقرة خاصة بالمغرب على أن اللجنة «تسجل التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة والمغرب، الذي أُضفي عليه الطابع الرسمي سنة 1786 من خلال معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية».

ويمضي التقرير في نصه ليؤكد أن «مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية تقعان في التراب المغربي، وتظلان موضوع مطالبة مغربية ممتدة منذ زمن طويل»، مشيرا إلى دعم اللجنة لجهود وزير الخارجية الأمريكي في تشجيع الانخراط الدبلوماسي بين الرباط ومدريد بشأن الوضع المستقبلي للمدينتين.

وتكمن الأهمية السياسية لهذه الصياغة في وصفها الصريح للمدينتين بأنهما تقعان في «التراب المغربي»، مقابل استخدام عبارة «الخاضعتين للإدارة الإسبانية»، وهو ما يجعل من وضعهما ملفا قابلا للتفاوض مستقبلا بين الرباط ومدريد. وتتضمن الفقرة نفسها توجيها بتخصيص ما لا يقل عن 20 مليون دولار للمغرب ضمن برامج الاستثمار في الأمن القومي، و20 مليون دولار أخرى في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي، بما مجموعه 40 مليون دولار من المساعدات الأمنية والعسكرية المقترحة.

ويعود تقديم هذا التقرير إلى يوم الخميس، حين تقدم به النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت، رئيس اللجنة الفرعية المكلفة بالأمن القومي ووزارة الخارجية، والمقرب من وزير الخارجية ماركو روبيو، والذي سبق له أن صرّح بأن سبتة ومليلية «تقعان في التراب المغربي». وأقر مجلس النواب الأمريكي، يوم الأربعاء، مشروع القانون المرتبط بالتقرير، الذي يحمل رقم H.R. 8595، بأغلبية 217 صوتا مقابل 209 أصوات، بتأييد 215 نائبا جمهوريا، فيما كان توماس ماسي الجمهوري الوحيد الذي صوّت ضده، قبل أن يُحال المشروع إلى مجلس الشيوخ بعد أسبوعين، ما يعني أنه لم يتحول بعد إلى قانون نافذ.

ويتجاوز وصف النائب ماسي للتصويت بأنه تفويض بنقل سبتة ومليلية إلى المغرب المضمون القانوني للوثيقة، إذ إن الفقرة لا توجد داخل النص التشريعي نفسه، بل ضمن التقرير التفسيري المرافق له، ولا تتضمن أي قرار بنقل السيادة أو اعترافا رسميا بمغربية المدينتين. وتوضح قواعد مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن توجيهات تقارير اللجان لا تكون ملزمة قانونا للسلطة التنفيذية إلا إذا أُدرجت صراحة داخل النص القانوني، لكنها تظل تعبيرا رسميا عن توجه اللجنة ومؤشرا سياسيا قد يؤثر في أولويات الخارجية الأمريكية.

وسبق لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن رد، عند ظهور التقرير للمرة الأولى، مؤكدا أن «إسبانية سبتة ومليلية لا تقبل الشك»، في موقف يعكس حساسية مدريد تجاه أي تحول في الخطاب الأمريكي بشأن المدينتين.

وبين انفتاح واشنطن على نقاش دبلوماسي حول مستقبل المدينتين، وتمسك مدريد بموقفها الثابت إزاء سيادتها عليهما، يبقى ملف سبتة ومليلية معلقا في انتظار ما سيؤول إليه مصير مشروع القانون داخل مجلس الشيوخ. ويظل التقرير، رغم طابعه غير الملزم قانونا، مؤشرا على تحول تدريجي في نبرة الخطاب الأمريكي الرسمي تجاه هذا الملف الحساس، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الإشارات ستتحول إلى مواقف سياسية فعلية أم ستبقى حبيسة أروقة الكونغرس.

المقال التالي