شعار “إسقاط النظام” يهز تونس من جديد… والغضب يطارد قيس سعيد

في مشهد أعاد إلى الأذهان أجواء انتفاضة 2011، شهدت شوارع تونس، خروج آلاف المحتجين للمطالبة برحيل الرئيس قيس سعيّد، مرددين شعارات من قبيل “الشعب يريد إسقاط النظام” و”حرية، شغل، كرامة وطنية”، إلى جانب الدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، في ظل تصاعد حالة الاحتقان بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أطلقها الرئيس في 25 يوليوز 2021.
ولم تقتصر أسباب الاحتجاجات على الملف السياسي، بل امتدت إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مع تزايد شكاوى المواطنين من انقطاعات الكهرباء والماء، وارتفاع الأسعار، وتراجع جودة الخدمات العمومية. كما سبق أن شهدت العاصمة، في ماي الماضي، مسيرة رفعت شعار “الشعب جائع والسجون مملوءة”، في إشارة إلى تداخل الأزمة المعيشية مع ملف الاعتقالات.
ويعتبر كثير من التونسيين أن آمال التغيير التي رافقت ثورة 2011 تعرضت لخيبتين؛ الأولى خلال سنوات التجاذبات السياسية والأزمات الاقتصادية، والثانية بعد وصول قيس سعيّد إلى الحكم، حيث انتقل من تقديم نفسه كمرشح مستقل يحمل وعود الإصلاح ومحاربة الفساد، إلى تركيز السلطات بيده عقب تجميد البرلمان، وإقالة الحكومة، ثم الحكم بالمراسيم.
وتعزز هذا المسار بإقرار دستور جديد سنة 2022 وسّع صلاحيات رئيس الجمهورية، قبل إعادة انتخاب سعيّد سنة 2024 بنسبة تجاوزت 90 في المائة، وسط نسبة مشاركة ضعيفة بلغت 28.8 في المائة، وفي ظل غياب عدد من منافسيه عن السباق الانتخابي بسبب السجن أو الإقصاء، وهو ما دفع معارضيه إلى التشكيك في طبيعة المسار السياسي القائم.
ويعد ملف الحريات من أبرز محاور الانتقادات الموجهة إلى السلطة، إذ تحدثت منظمات حقوقية عن اعتقال عشرات السياسيين والصحافيين والمحامين والنشطاء، فيما طالت الملاحقات شخصيات من تيارات سياسية متباينة، إلى جانب استمرار احتجاز عدد من الصحافيين.
كما أثارت القرارات المتعلقة بالقضاء جدلا واسعا، بعدما منح الرئيس نفسه صلاحية عزل القضاة، وأقال عشرات منهم، فضلا عن حل المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بهيئة مؤقتة، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية مساسا باستقلال السلطة القضائية.
اقتصاديا، لا تزال تونس تواجه تحديات كبيرة، إذ سجل الاقتصاد نموا محدودا خلال الربع الأول من سنة 2026، بينما استمرت معدلات البطالة والتضخم عند مستويات مرتفعة، في وقت يرى فيه خبراء ومؤسسات دولية أن مناخ الاستثمار ما زال يعاني من صعوبات، مع ارتفاع الدين العمومي مقارنة بما كان عليه قبل الثورة.
ويرى منتقدو الرئيس أن الخطاب الرسمي بات يعتمد بشكل متكرر على الحديث عن “المؤامرات” و”الخونة”، بالتزامن مع توترات مع بعض الشركاء الدوليين، معتبرين أن البلاد تعيش مرحلة تتسم بتراجع الحريات وتركيز السلطة.
وفي ظل عودة الشعارات التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي، يجد قيس سعيّد نفسه أمام موجة غضب متزايدة، بينما تتصاعد التساؤلات داخل الشارع التونسي حول مستقبل المشهد السياسي وقدرة السلطة الحالية على تجاوز الأزمة المتفاقمة.

تعليقات