آخر الأخبار

بطالة مرتفعة… وخصاص في اليد العاملة! مفارقة سوق الشغل المغربي تطرح أسئلة صعبة

في مشهد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، يعيش سوق الشغل المغربي مفارقة لافتة تتمثل في استمرار ارتفاع معدلات البطالة، مقابل تزايد شكاوى عدد من القطاعات الاقتصادية من نقص اليد العاملة وصعوبة العثور على عمال، وهو وضع يطرح تساؤلات عميقة حول الاختلالات التي باتت تطبع سوق العمل بالمملكة.

وخلال السنوات الأخيرة، دق مهنيون ومستثمرون في قطاعات الفلاحة والبناء والصناعة والسياحة والمطاعم والفندقة والنقل ناقوس الخطر، مؤكدين أن العديد من المناصب الشاغرة تبقى دون شغل لفترات طويلة، رغم وجود مئات الآلاف من الباحثين عن العمل.

ويرى متابعون أن هذه المفارقة لا تعني بالضرورة غياب الراغبين في العمل، بقدر ما تعكس اتساع الفجوة بين ظروف التشغيل وتطلعات الشباب. فالكثير من الوظائف المعروضة تتميز بأجور متواضعة لا تواكب الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، فضلاً عن ساعات العمل الطويلة، والمجهود البدني الكبير، وضعف الاستقرار المهني في بعض القطاعات.

كما ساهمت موجة هجرة الكفاءات والعمال نحو أوروبا ودول الخليج، خلال السنوات الأخيرة، في تعميق هذا الخصاص، بعدما فضل آلاف المغاربة البحث عن فرص توفر أجوراً أفضل وظروف عمل أكثر استقراراً، وهو ما حرم عدداً من المقاولات المغربية من يد عاملة مؤهلة وذات خبرة.

وفي القطاع الفلاحي، يبرز النقص بشكل واضح خلال مواسم الجني والحصاد، بينما تشكو شركات البناء والأشغال العمومية من صعوبة استقطاب العمال، في وقت تواجه الفنادق والمطاعم خصاصاً في الطهاة والنادلين وعمال الاستقبال والخدمات، كما تعاني بعض الوحدات الصناعية من صعوبة الاحتفاظ بموظفيها بسبب المنافسة على اليد العاملة.

ويؤكد خبراء أن معالجة هذه الإشكالية لا تقتصر على خلق مناصب شغل جديدة، بل تستوجب تحسين جودة الوظائف، ورفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف العيش، وتطوير التكوين المهني ليتلاءم مع حاجيات سوق العمل، إلى جانب توفير بيئة مهنية أكثر جاذبية تحفظ كرامة العامل وتضمن حقوقه.

وتبقى هذه المفارقة إحدى أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، إذ إن استمرار البطالة بالتوازي مع خصاص اليد العاملة يكشف عن خلل هيكلي يتطلب إصلاحات عميقة، حتى يتمكن سوق الشغل المغربي من تحقيق التوازن بين حاجيات المقاولات وتطلعات الباحثين عن فرص عمل تحفظ لهم الاستقرار والعيش الكريم.

المقال التالي