آخر الأخبار

المنصوري.. المباشر التلفزيوني الذي عرّى الوزيرة “بنت الصالحين”

مشهد واحد كفى لتسقط رواية كاملة. حين يتحول الهروب من الكاميرا إلى تخصص سياسي دقيق، تفقد الكلمات معناها، وتصبح التصريحات مجرد ديكور لفظي يسقط عند أول اختبار واقعي. وما جرى على شاشة القناة الأولى، حين أعلن أحمد التويزي، رئيس الفريق البرلماني لحزب الأصالة والمعاصرة، لمنشط برنامج «للحديث بقية» يوسف بلهيسي اعتذار فاطمة الزهراء المنصوري في آخر لحظة، لم يكن سوى فصل جديد من مسرحية مكرورة، أبطالها يعانون حساسية مزمنة تجاه أسئلة الصحفيين.

«وعكة صحية طارئة» – هكذا قيل للمغاربة، وكأن المرض يتربص بجسد المنصوري كلما حان موعد المساءلة. عبارة تركت صدى مألوفاً في أذن جمهور حفظ عن ظهر قلب قاموس الأعذار الجاهزة التي يُنتجها محيط «بنت الصالحين» كلما اقترب ميكروفون لا يهادن، وكلما أصبحت المواجهة وجهاً لوجه قدراً لا مفر منه.

لكن الزمن كان أسرع من الرواية. فمساء الأربعاء، أي قبل 24 ساعة فقط من إعلان «الطارئ الصحي»، كانت المنصوري تتوسط حفل إطلاق منبر إعلامي لحزبها في أحد الفنادق الفاخرة، بكامل لياقتها وأناقتها وابتسامتها العريضة، بعيدة كل البعد عن صورة من يلفظ أنفاسه الأخيرة على سرير المرض. الصور انتشرت، والكاميرات وثّقت، فتهاوت الرواية الرسمية أمام الحقيقة البصرية.

سؤال بسيط يكفي لإسقاط كل الرواية: إما أن المنصوري كانت مريضة فعلاً، فكيف نفسّر ظهورها المتألق قبل ساعات؟ أو أنها كانت بخير، فلماذا كذب المتحدث باسمها على المغاربة في بث مباشر؟ لا خيار ثالث بين الاحتمالين، وفي كليهما تسقط المصداقية سقوطاً مدوياً لا يليق بمن يطمح لتدبير الشأن العام.

الأغرب أن الحل كان في متناول اليد: عبارة واحدة صادقة كانت كفيلة بتفادي كل هذا الحرج: «لا أرغب في الحضور». لكن يبدو أن الصدق أثقل على كاهل قيادة «البام» من كل حقائب الظهور الاحتفالي مجتمعة.

سوابق كثيرة تؤكد أن هذه ليست الحادثة الأولى. من «المهمة الرسمية في إفريقيا» التي فضحها حضورها المفاجئ بالرباط تفادياً لمواجهة جامع كلحسن وسناء الرحيمي في «ساعة الصراحة»، إلى «الوعكة» التي سقطت عند أول حفل باذخ. حقيقة واحدة تتكرر: المنصوري لا تتهرب من الإعلام فقط، بل من الحقيقة نفسها، وتظن أن ذاكرة المغاربة فارغة، لا تحتفظ بصور الأربعاء يوم الخميس.

وهنا يُطرح السؤال الأخطر، الذي لا يتعلق ببرنامج تلفزيوني عابر، بل بجوهر الأهلية السياسية: إذا كان هذا مستوى التدبير في أزمة حضور إعلامي بسيط، فكيف سيكون الحال مع ملفات التشغيل والصحة والتعليم والأمن المائي والدبلوماسية؟ من يعجز عن قول الحقيقة في «وعكة»، هل يملك الجرأة على قولها في أزمة وطنية حقيقية؟

أزمة حزب بأكمله تختصرها هذه الوقائع المتكررة، حزب بُني على تجنب المواجهة والاكتفاء بتدوينات استعراضية وفيديوهات منتقاة بعناية بعيداً عن أي احتكاك حقيقي. حزب يريد السلطة دون ثمنها، والمنصب دون امتحانه، والحكم دون أن يُسأل – معادلة لا تصمد إلا في أذهان من يمارسون السياسة كهواية لا كمسؤولية.

صورتان تختصران القصة كلها: المنصوري في بهو الفندق يوم الأربعاء، وتصريح التويزي على القناة الأولى يوم الخميس – وثيقة إدانة دامغة تقول: من يتهرب من الصحافة اليوم سيتهرب من الشعب غداً، ومن يكذب في «وعكة» لن يصدق في وعوده الانتخابية، ومن يخشى كاميرا واحدة سيخشى حتماً مواجهة ملايين المغاربة الذين يستحقون نخبة لا تخونهم الحقيقة قبل أن تخونهم السياسة.

المقال التالي