مؤشر “AUSIMètre 2026”.. كيف حوّلت الاختراقات المتتالية الأمن السيبراني إلى أولوية عليا بالمغرب؟

باتت ملفات الحماية الرقمية اليوم من أكثر القضايا حضوراً في اجتماعات مجالس إدارة الشركات المغربية، بعدما كانت لعقود شأناً تقنياً بحتاً تديره أقسام المعلوميات بمعزل عن مراكز القرار. هذا التحول الجوهري ترصده أحدث نسخة من مؤشر «AUSIMètre»، الصادر عن جمعية مستخدمي نظم المعلومات بالمغرب بشراكة مع مكتب «PwC»، والذي يقيس سنوياً درجة نضج المؤسسات الوطنية في التعامل مع مخاطر الفضاء الرقمي عبر سبعة محاور متكاملة.
سجّل المعدل العام للنضج السيبراني بالمغرب ارتفاعاً لافتاً بلغ 56%، مقارنة بـ49% في القياس السابق، في مؤشر يعكس تحسناً تدريجياً على مستوى الحوكمة والاستثمار في حماية الأنظمة. غير أن هذا التقدم يظل متبايناً بشكل واضح بين المحاور السبعة موضوع الدراسة. وأفادت المعطيات، التي كُشف عنها يوم الأحد، بأن السيادة الرقمية تبقى الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، إذ لم تتجاوز نسبة النضج فيها 35% فقط، وهي أدنى نتيجة مسجلة على الإطلاق.
ويرتبط ضعف السيادة الرقمية أساساً باستمرار اعتماد 60% من المؤسسات المغربية بشكل مكثف على مزودي خدمات سحابية أجانب، في حين تفتقر 70% منها إلى أي استراتيجية بديلة للتعافي أو تغيير المزوّد عند الطوارئ. هذه التبعية التقنية تجعل مؤسسات حيوية عُرضة لأي اضطراب قد يطال شركاءها الخارجيين، بمعزل عن إرادتها أو قدرتها على التحكم في مسار الأزمة.
في الجهة المقابلة، تتقدم استثمارات الأمن السيبراني بخطى ثابتة، إذ خصصت 59% من المؤسسات أكثر من 5% من ميزانيتها الرقمية لهذا المجال، مقابل 46% فقط في القياس السابق. وارتفعت بالموازاة مشاركة الإدارات العليا في القرارات الأمنية من 55% إلى 74%، وهو رقم يترجم انتقال الملف من طاولات المهندسين إلى طاولات المديرين ومجالس الإدارة.
ولم يكن هذا الانتقال وليد وعي تلقائي بقدر ما غذّته سلسلة اختراقات مؤلمة طالت مؤسسات مغربية حساسة خلال الفترة الأخيرة. فقد أعلنت مجموعة قراصنة تُعرّف نفسها باسم «جبروت» عن اقتحام قاعدة بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتسريب معطيات تخص ملايين الأجراء، في واحدة من أخطر عمليات الاختراق التي عرفتها المملكة.
وتبع تلك الواقعة اختراق آخر استهدف الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، أسفر عن تسريب عشرات آلاف الوثائق الحساسة، بينها شهادات ملكية وبطاقات هوية وجوازات سفر. ولم تتوقف موجة الاستهداف عند هذا الحد، إذ سُجّل لاحقاً اختراق مسّ أنظمة وزارة العدل، شمل بيانات آلاف القضاة وأرشيف السجناء، ليتضح حجم الهشاشة التي تعتري البنية الرقمية لقطاعات بالغة الحساسية.
وأمام هذا المشهد، برز نقص الكفاءات المتخصصة كأحد أبرز العوائق البنيوية، حيث أقرّت 84% من المؤسسات بمعاناتها من شح في الملفات المؤهلة أمنياً، ما دفع 57% منها إلى الاعتماد على التكوين الداخلي كحل ترقيعي مؤقت. ويضاف إلى هذا التحدي رهان الذكاء الاصطناعي، الذي تراه 87% من المؤسسات فرصة استراتيجية لتعزيز الحماية، فيما لم تضع سوى 30% منها إطاراً لضبط استخدامه، في وقت تعرضت فيه 40% من المؤسسات لهجمات هندسة اجتماعية مدعومة بهذه التقنية، وسجلت 25% منها تسريبات فعلية للبيانات.
وتوصي الدراسة، في ضوء هذه المعطيات مجتمعة، ببناء استراتيجيات وطنية واضحة للبيانات والخدمات السحابية، وتحفيز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية المحلية، فضلاً عن تقوية الشراكة بين القطاعين العام والخاص وإطلاق برامج تكوينية متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، باعتبارها السبيل الوحيد لردم الهوة بين نضج متصاعد وسيادة رقمية ما تزال بعيدة المنال.

تعليقات