آخر الأخبار

تحقيق: إعلانات غامضة وأسعار خيالية.. ما حقيقة مزاعم الاتجار بالأطفال عبر “فينتد”؟

أثار سيل من المنشورات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي جدلًا واسعًا، بعدما زعمت أن منصة «فينتد» تُستخدم واجهةً لشبكات للاتجار بالأطفال. وفي تحقيق أعدته «بي بي سي»، رصد فريق التحرير هذه الادعاءات التي استند ناشروها إلى إعلانات تعرض دمى وألعابًا ومستلزمات أطفال بأسعار خيالية بلغت، في بعض الحالات، آلاف اليوروهات، إلى جانب أوصاف أثارت كثيرًا من التساؤلات والجدل.

ومع اتساع نطاق تداول هذه المزاعم، تعمق فريق التحقيق في تحليل الصور المرفقة بالمنشورات، ليتبين وجود فجوة كبيرة بين ما أظهرته لقطات الشاشة وما خلص إليه مروجوها من استنتاجات. وجاء ذلك اليوم الاثنين، بعدما أظهرت النتائج الأولية أن التسرع في تفسير هذه المنشورات قاد إلى خلاصات بعيدة عن الحقيقة، خصوصًا أن معظم الصور المتداولة لا ترتبط بإعلانات أصلية يمكن التحقق منها أو إخضاعها للفحص.

وتُعد منصة «فينتد» سوقًا إلكترونية متخصصة في بيع الملابس والأغراض المستعملة، وقد تأسست في ليتوانيا وتزاول نشاطها في عدد من الدول الأوروبية. واستندت الروايات المتداولة إلى تفسيرات لرموز وبيانات ظهرت في بعض الإعلانات، من بينها العمر والطول والجنس، إضافة إلى كلمات مثل «صغير» و«مطيع» و«عذراء»، وهو ما دفع بعض المستخدمين إلى الربط بينها وبين مزاعم تتعلق بعمليات اتجار بالبشر.

غير أن فريق «بي بي سي» لتقصي الحقائق أوضح أن خانة «العمر» الواردة في تلك الإعلانات لا تشير إلى عمر طفل، وإنما إلى الفئة العمرية المناسبة لاستخدام اللعبة، على غرار التصنيفات العمرية التي تُطبع على المنتجات التجارية. أما الكلمات التي وُصفت بأنها «شيفرات» أو رسائل مشفرة، فلم يتمكن المحققون من تقييم دلالاتها بدقة، لغياب الإعلان الأصلي وسياقه الكامل ولغته وتصنيفه.

وفي سياق البحث عن الأدلة، واجه المحققون عقبة رئيسية تمثلت في غياب الروابط المباشرة للإعلانات المزعومة، إذ جرى تداول الصور بصورة منفصلة عبر حسابات متعددة وبعدد من اللغات، مع إرفاق تفسيرات مختلفة للصورة نفسها في كل مرة. كما أن احتمال حذف الإعلانات الأصلية من قبل أصحابها أو إزالتها من المنصة جعل التحقق من محتواها أو التأكد من عدم تعرضها للتعديل أو الاقتطاع أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي المقابل، كانت الأسعار المرتفعة للدمى والألعاب المستعملة أبرز عناصر الإثارة التي غذّت انتشار هذه الروايات، إلا أن التحقيق أكد أن السعر المرتفع، في حد ذاته، لا يشكل دليلًا على وجود نشاط إجرامي. فقد يكون ناتجًا عن خطأ في إدخال البيانات، أو وسيلة لجذب الانتباه، أو إجراءً مؤقتًا لتعليق البيع، كما أشارت الشركة إلى أن بعض المستخدمين ينشرون إعلانات من هذا النوع لاختبار تفاعل المجتمع أو في إطار تحقيقات ذاتية.

وأمام اتساع الجدل، دفعت هذه المزاعم السلطات القضائية في فرنسا وألمانيا إلى فتح تحقيقات أولية بشأن البلاغات المقدمة، غير أن فتح التحقيق لا يعني ثبوت الوقائع أو إدانة أي طرف. وأكدت الشرطة الألمانية، في رد رسمي، أنها لم تعثر حتى الآن على أي دليل موثوق يثبت وقوع حالات فعلية للاتجار بالبشر عبر المنصة، فيما أوضحت إدارة «فينتد» أن مراجعاتها الداخلية لم تكشف عن أي صلة بين الإعلانات المتداولة وشبكات إجرامية.

وليست هذه السابقة الأولى من نوعها، إذ سبق أن طالت اتهامات مشابهة منصات تجارة إلكترونية أخرى، مثل «إتسي» و«وايفير». وغالبًا ما تقوم هذه الروايات على ربط معطيات حقيقية لكنها غامضة بعناصر أخرى، لتشكيل سردية مثيرة تلقى رواجًا واسعًا، قبل أن تتحول مع كثرة تداولها من مجرد فرضيات إلى قناعات لدى البعض، رغم أن الانتشار لا يُعد دليلًا قانونيًا على صحة الادعاءات.

وفي الجانب القانوني، تتطلب جرائم الاتجار بالأطفال تحقيقات معقدة تتجاوز ما تظهره لقطات الشاشة، وتشمل التحقق من هويات أصحاب الحسابات، وسجلات المحادثات، والمعاملات المالية، ووسائل الدفع. وفي هذا السياق، شدد متحدث باسم «اليونيسيف» على أن البيانات الأممية تشير إلى أن معظم حالات استغلال الأطفال يرتكبها أشخاص من الدائرة القريبة للضحية، وليس عبر إعلانات مشفرة منشورة على الإنترنت.

وأظهر التحقيق الاستقصائي أن ما هو متوافر حتى الآن لا يتجاوز صورًا لإعلانات غير معتادة، ربطها بعض المستخدمين بجرائم مفترضة، دون وجود دليل يثبت وقوع عملية بيع حقيقية أو تحديد هوية أي ضحية. لذلك، يظل الملف خاضعًا للتحقيق، فيما تبقى المزاعم المتعلقة باستخدام «فينتد» للاتجار بالأطفال بلا سند موثق حتى الآن.

ويبقى الفصل بين الاشتباه والإدانة مبدأً أساسيًا في العمل الصحفي والقانوني. فالمعطيات المتاحة، حتى الآن، لا تسمح بتأكيد صحة المزاعم المتداولة، في ظل غياب الأدلة التقنية والروابط المباشرة التي يمكن الاستناد إليها. ومن ثم، تظل نتائج التحقيقات الرسمية وحدها الكفيلة بحسم الحقيقة، بينما يسهم تداول الاتهامات غير المدعومة بالأدلة في تغذية التضليل الرقمي، بعيدًا عن معايير الدقة والمصداقية التي يقوم عليها العمل الصحفي المهني.

المقال التالي