آخر الأخبار

هل بدأت حملة “الحمامة” من داخل الباطرونا؟.. لقاء يثير أسئلة محرجة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، عاد النقاش في المغرب ليتجه نحو طبيعة العلاقة التي تربط بين السلطة السياسية ومراكز النفوذ الاقتصادي، بعدما اختار حزب التجمع الوطني للأحرار عرض أبرز ملامح برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 داخل مقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول حدود التقاطع بين العمل الحزبي ومصالح القطاع الخاص.

ورغم أن اللقاء قُدم رسميا باعتباره محطة عادية ضمن سلسلة اجتماعات يعقدها الاتحاد العام لمقاولات المغرب مع مختلف الأحزاب السياسية، فإن توقيته، الذي يسبق انطلاق الحملة الانتخابية بأسابيع قليلة، منح الاجتماع أبعادا سياسية واضحة، خاصة وأنه جمع الحزب الذي يقود الحكومة بأكبر تنظيم يمثل أرباب المقاولات بالمملكة.

ويبدو أن حزب “الحمامة” يسعى إلى توجيه رسائل مباشرة إلى عالم المال والأعمال، مفادها أن الاقتصاد والاستثمار سيظلان في صلب أولوياته خلال الولاية الحكومية المقبلة، في وقت يدرك فيه أن الحفاظ على صدارة المشهد السياسي لن يكون مهمة سهلة في ظل احتدام المنافسة الانتخابية وتزايد الانتقادات الموجهة إلى حصيلة الحكومة، خصوصا في ملفات القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والتشغيل.

ويعزز هذا الانطباع تاريخ الحزب نفسه، الذي ظل لعقود مرتبطا بصورة رجال الأعمال. فقد قاده لسنوات رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أحد أبرز رجال الأعمال بالمغرب، فيما يتولى قيادته حاليا محمد شوكي، القادم بدوره من عالم المال والاستثمار، إلى جانب حضور شخصيات حكومية ذات خلفيات اقتصادية داخل الاجتماع، من بينها وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، والوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان، ووزير التربية الوطنية محمد سعد برادة.

وزادت الشكوك حول طبيعة العلاقة بين الحزب والاتحاد العام لمقاولات المغرب بعد انضمام ابنة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، مؤخرا إلى أجهزة الاتحاد، وهي الخطوة التي أثارت موجة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية، حيث اعتبر متابعون أن الجمع بين النفوذ السياسي والتمثيلية داخل أكبر هيئة تمثل أرباب العمل قد يثير تساؤلات بشأن تضارب المصالح، أو إمكانية التأثير في توجهات المنظمة، أو خلق انطباع بوجود امتيازات غير متاحة لباقي الفاعلين الاقتصاديين، خاصة وأن الاتحاد يعد شريكا مؤسساتيا للدولة في العديد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ورغم عدم وجود ما يثبت قانونيا وقوع أي تضارب مصالح، فإن منتقدين يرون أن مجرد تزامن المسؤوليات والعلاقات العائلية والسياسية مع مواقع مؤثرة داخل مؤسسات اقتصادية كبرى يفرض قدرا أكبر من الوضوح والشفافية، حفاظا على مبدأ تكافؤ الفرص وتعزيز الثقة في استقلالية المؤسسات المهنية.

ولا ينظر إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب باعتباره مجرد هيئة مهنية تدافع عن مصالح المقاولات، بل أصبح فاعلا مؤثرا في صناعة القرار الاقتصادي، بفضل حضوره داخل مجلس المستشارين ومشاركته في مناقشة مشاريع القوانين ذات الطابع المالي والاقتصادي، وهو ما يمنحه ثقلا سياسيا يتجاوز دوره التقليدي كمنظمة تمثل أرباب العمل.

وقد ظهر هذا التقاطع بشكل لافت خلال الأشهر الماضية عندما اصطف فريق الاتحاد داخل مجلس المستشارين إلى جانب مكونات الأغلبية الحكومية للتصويت ضد مقترحات قوانين تقدمت بها المعارضة، من بينها مقترح يتعلق بتسقيف أسعار المحروقات وآخر يهم مستقبل شركة “لاسامير”، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود استقلالية المنظمة ومدى تقاطع مواقفها مع اختيارات الحكومة وحزب التجمع الوطني للأحرار.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى متابعون أن تقديم البرنامج الانتخابي لحزب يقود الحكومة داخل مقر أكبر منظمة تمثل رجال الأعمال لا يمكن فصله عن رهانات المرحلة السياسية، خصوصا أن المقاولات تشكل أحد أهم الفاعلين في الاستثمار والتشغيل، كما تملك تأثيرا اقتصاديا واجتماعيا واسعا داخل النسيج الوطني.

وبينما يؤكد الاتحاد العام لمقاولات المغرب أنه يفتح أبوابه لجميع الأحزاب دون تمييز، وأن لقاءاته تندرج في إطار الحوار المؤسساتي، فإن تزامن هذا الاجتماع مع الاستعدادات للانتخابات، إلى جانب تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية، يواصل تغذية المخاوف من اتساع مساحة التداخل بين السلطة والمال، وهو نقاش يتجدد مع كل محطة انتخابية، ويعيد طرح أسئلة قديمة حول ضرورة تحصين المؤسسات الوسيطة من أي انطباع قد يمس استقلاليتها أو يضعف ثقة الرأي العام في حيادها.

المقال التالي