آخر الأخبار

اتفاق الطيران مع المغرب يتجدد أوروبيا.. ونقاش الصحراء يعود إلى الواجهة

بأغلبية ساحقة، منح البرلمان الأوروبي موافقته على بروتوكول يعدّل الاتفاق الأورومتوسطي للطيران المبرم بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بهدف إدماج كرواتيا ضمن الإطار القانوني لهذا الاتفاق عقب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، من دون فتح أي مفاوضات جديدة بشأن أحكامه الأساسية أو نطاقه الترابي. ويكتسي هذا التصويت طابعا تقنيا بالأساس، غير أنه أعاد إلى الواجهة نقاشا قانونيا قديما يتعلق بتطبيق الاتفاق على مدن الأقاليم الجنوبية للمملكة.

أرقام التصويت تكشف حجم الإجماع؛ إذ صوّت لصالح البروتوكول، خلال جلسة عامة، ما مجموعه 625 نائبا أوروبيا، مقابل معارضة 16 نائبا وامتناع 20 آخرين عن التصويت، من أصل 661 نائبا شاركوا في الجلسة، وذلك يوم الأربعاء، في اقتراع حصل بموجبه النص على نسبة تأييد ناهزت 95 في المائة. وأظهرت النتائج دعما واسعا للبروتوكول من مختلف الكتل السياسية الكبرى داخل البرلمان الأوروبي، وهو ما يعكس، بحسب الملف الرسمي للمسطرة التشريعية، طابعه التقني المحض.

خلف هذا التصويت، تكمن غاية محددة تتمثل في أخذ انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي بعين الاعتبار، علما أن الدول المنضمة حديثا إلى الاتحاد تلتزم تلقائيا بالانضمام إلى الاتفاقيات التي سبق أن أبرمها الاتحاد ودوله الأعضاء مع دول ثالثة، ومن بينها اتفاق الطيران الأورومتوسطي الموقع مع المغرب. ولهذا الغرض، تفاوضت المفوضية الأوروبية مع الجانب المغربي بشأن بروتوكول يُدخل التكييفات القانونية واللغوية اللازمة، ويتيح لكرواتيا الاستفادة من أحكام الاتفاق على قدم المساواة مع بقية الدول الأعضاء.

لا تغيير في جوهر الاتفاق، هذا ما يؤكده ملخصه الرسمي؛ إذ لا يتضمن البروتوكول أي تعديل في القواعد القانونية أو التشغيلية المنظمة للنقل الجوي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، كما لا يعيد النظر في شروط المنافسة أو السلامة أو حقوق التشغيل الواردة في الاتفاق الأصلي. ويكتسي تصويت البرلمان صبغة الموافقة فحسب، ذلك أن النواب الأوروبيين لا يملكون في هذا النوع من المساطر صلاحية تعديل البروتوكول، بل يقتصر دورهم على قبوله أو رفضه. وبعد حصوله على موافقة البرلمان، يبقى استكمال القرار النهائي من اختصاص مجلس الاتحاد الأوروبي، المطالب بالمصادقة على إبرام البروتوكول باسم الاتحاد ودوله الأعضاء.

منذ توقيعه، يحتل هذا الاتفاق مكانة خاصة في السياسة الخارجية الأوروبية للطيران، باعتباره أول اتفاق شامل للنقل الجوي يبرمه الاتحاد الأوروبي مع دولة من خارج فضائه. وتفيد وثائق البرلمان الأوروبي بأن هذا الاتفاق ساهم منذ دخوله حيز التنفيذ في مضاعفة الربط الجوي بين المغرب ودول الاتحاد الأوروبي بنحو ثلاث مرات، عبر توسيع عدد الخطوط والوجهات وتسهيل ولوج شركات جديدة إلى السوق. وترى المؤسسات الأوروبية أن إدماج كرواتيا في الاتفاق سيتيح لها الاستفادة من الفرص نفسها المتاحة لبقية الدول الأعضاء، سواء تعلق الأمر بتشغيل الرحلات أو تطوير الربط الجوي مع المطارات المغربية.

لم يمر التصويت مرور الكرام؛ فرغم اقتصار البروتوكول على إدماج كرواتيا، أعاد إلى الواجهة النقاش القانوني المرتبط بالرحلات التي تشغلها بعض شركات الطيران بين مطارات أوروبية ومدن الأقاليم الجنوبية للمملكة. وقالت منظمة «Western Sahara Resource Watch»، في تقرير نشرته يوم الاثنين، إن غالبية النواب وافقت على النص بالنظر إلى طابعه التقني، وباعتباره لا يتضمن أي تغيير في النطاق الترابي للاتفاق. غير أن هذا التفسير يعكس قراءة المنظمة للتصويت، ولا يرد في القرار الرسمي للبرلمان الأوروبي، كما لم يصدر عن المؤسسة التشريعية الأوروبية أي بلاغ يربط تصويت النواب بموقف سياسي جديد من قضية الصحراء.

في المقابل، برر بعض النواب الذين عارضوا البروتوكول موقفهم باستمرار تشغيل رحلات بين دول أوروبية ومطارات في الأقاليم الجنوبية، معتبرين أنها لا تدخل ضمن الإطار القانوني لاتفاق الطيران بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، من دون أن تنشر المنظمة في تقريرها تصريحات مفصلة أو أسماء جميع النواب الذين تبنوا هذا التبرير.

جذور هذا الجدل القانوني تعود إلى أمر أصدرته المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في القضية المعروفة برقم T-275/18، التي تقدمت بها جبهة البوليساريو للطعن في قرار إبرام اتفاق الطيران بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. وخلصت المحكمة، عند بحثها مدى قبول الطعن، إلى أن الاتفاق لا يمكن تفسيره على أنه ينطبق على إقليم الصحراء، وهو ما جعلها تقضي بعدم قبول الدعوى لانتفاء التأثير المباشر للقرار المطعون فيه على الجهة المدعية.

على الصعيد الرسمي، أفادت المفوضية الأوروبية، في جواب عن سؤال برلماني، بأنها أبلغت شركات الطيران، خلال اجتماع سابق للمنتدى الاستشاري لسياسة الطيران الخارجية للاتحاد، بأن اتفاق الطيران مع المغرب لا يغطي، وفق تفسيرها لاجتهادات القضاء الأوروبي، الرحلات المنطلقة من دولة عضو نحو الصحراء. ولا يعني ذلك أن تصويت يوم الأربعاء أدخل مقتضيات جديدة تخص الصحراء؛ ذلك أن النطاق الترابي للاتفاق لم يُعرض على إعادة التفاوض، واقتصر القرار على الموافقة على التكييفات المرتبطة بانضمام كرواتيا.

على أرض الواقع، تسير الأمور في اتجاه مغاير؛ إذ أفادت منظمة «Western Sahara Resource Watch» بأن عددا من الناقلات شغّل خلال السنوات الأخيرة رحلات نحو مطارات الأقاليم الجنوبية، من بينها «رايان إير» و«ترانسافيا» و«بينتر» و«العربية للطيران»، فضلا عن «الخطوط الملكية المغربية». وتُظهر هذه الوضعية تباينا قائما بين التفسير الذي تعتمده المؤسسات الأوروبية لنطاق اتفاق الطيران، وبين الممارسة التجارية لشركات تشغل رحلات منتظمة نحو مطاري العيون والداخلة.

المقال التالي