آخر الأخبار

مصالحة” بعد 10 سنوات.. كيف أعاد البرنامج تأهيل مئات المدانين في قضايا الإرهاب داخل السجون؟

مع اقتراب مرور عشر سنوات على إطلاق برنامج “مصالحة” سنة 2017، يبرز هذا المشروع باعتباره إحدى أبرز التجارب المغربية في مجال إعادة تأهيل المدانين في قضايا الإرهاب والتطرف، بعدما نجح في الانتقال من مبادرة محدودة داخل المؤسسات السجنية إلى نموذج متكامل يجمع بين التأهيل الفكري والنفسي والديني والقانوني والاجتماعي، في إطار مقاربة تقوم على معالجة جذور التطرف بدل الاكتفاء بالعقوبة السجنية.

وجاء إطلاق البرنامج في سياق سعي المغرب إلى تعزيز استراتيجيته الشاملة في مكافحة الإرهاب، من خلال إرساء مقاربة تكمل الجهود الأمنية، وتعتمد على مراجعة الأفكار المتشددة، وإعادة بناء العلاقة بين المستفيدين والدين والمجتمع والقانون، بما يساهم في الحد من مخاطر العودة إلى التطرف بعد الإفراج.

وعلى امتداد ما يقارب عقدا من الزمن، نظم البرنامج عشرين دورة متتالية، كان آخرها خلال أبريل الماضي، واستفاد منه ما مجموعه 436 مدانا في قضايا الإرهاب والتطرف، خضعوا لتكوينات أشرف عليها علماء دين وخبراء في القانون وعلم النفس والاجتماع، ركزت على تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة، وترسيخ قيم الاعتدال والمواطنة وحقوق الإنسان، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتحضير للاندماج بعد انتهاء العقوبة.

وتكشف آخر الأرقام الرسمية الصادرة عن إدارة السجون وإعادة الإدماج، أن 288 مستفيدا غادروا المؤسسات السجنية بعد انتهاء عقوباتهم أو الإفراج عنهم، فيما استفاد 198 منهم من العفو الملكي، بعدما استوفوا الشروط القانونية وأبانوا عن انخراط فعلي في مسار المراجعة الفكرية وإعادة التأهيل، وهو ما يعكس الثقة التي حظي بها البرنامج باعتباره آلية لإعادة الإدماج وليس مجرد دورة تكوينية داخل السجون.

ولم تقتصر نتائج “مصالحة” على الأرقام فقط، بل برزت من خلال المراجعات الفكرية التي أعلن عنها عدد من المستفيدين، والذين تخلوا عن الأفكار المتشددة وأعلنوا نبذهم للعنف وتبنيهم لقيم التعايش واحترام مؤسسات الدولة وسيادة القانون، وهو ما اعتبره متابعون أحد أهم مؤشرات نجاح التجربة المغربية في معالجة الفكر المتطرف.

وشكل إحداث “مركز مصالحة” سنة 2023 محطة مفصلية في مسار البرنامج، بعدما انتقل من مبادرة دورية إلى مؤسسة دائمة تتولى مواكبة المستفيدين بعد الإفراج عنهم، ومساعدتهم على الاندماج الاجتماعي والمهني، بما يحد من احتمالات الانتكاسة والعودة إلى مسارات التطرف.

كما توسعت التجربة المغربية لتشمل برامج وقائية موازية داخل المؤسسات السجنية، من بينها برنامج “التمنيع ضد التطرف العنيف والإرهاب”، الذي استفاد من أنشطته أكثر من 22 ألف نزيل، في خطوة تعكس انتقال السياسة العمومية من الاكتفاء بإعادة التأهيل إلى تعزيز الوقاية الفكرية داخل الفضاء السجني.

وخلال السنوات الماضية، حظي برنامج “مصالحة” باهتمام وإشادة من وفود ومنظمات دولية متخصصة في مكافحة التطرف، باعتباره نموذجا يجمع بين المقاربة الأمنية والإصلاح الفكري واحترام حقوق الإنسان، ويعتمد على تنسيق مؤسساتي بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والرابطة المحمدية للعلماء، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب خبراء في مجالات متعددة.

وبعد عشر سنوات من انطلاقته، يبدو أن برنامج “مصالحة” تمكن من ترسيخ مكانته كإحدى أبرز التجارب المغربية في مجال مكافحة التطرف العنيف، بعدما أثبت أن مواجهة الفكر المتشدد لا تتحقق فقط عبر العقوبات، وإنما أيضا من خلال إعادة بناء الإنسان وتأهيله فكريا ونفسيا واجتماعيا، بما يعزز فرص اندماجه داخل المجتمع ويكرس المقاربة الاستباقية التي اعتمدها المغرب في مواجهة ظاهرة الإرهاب.

المقال التالي