رغم المتابعات والأحكام القضائية.. أحزاب كبرى تراهن على “أصحاب النفوذ” في الانتخابات المقبلة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تبدو الأحزاب السياسية المغربية أمام اختبار حقيقي لا يتعلق فقط بقدرتها على استقطاب الأصوات، وإنما أيضا بمدى التزامها بشعارات تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب التي ظلت ترفعها في مختلف المحطات الانتخابية. غير أن ما كشفته الأسابيع الأخيرة من قرارات التزكية والتحركات الحزبية يوحي بأن حسابات الفوز بالمقاعد لا تزال تتقدم على معايير النزاهة والكفاءة، في مشهد يعيد إلى الواجهة الجدل حول العلاقة بين السياسة والأعيان وذوي النفوذ.
ويبرز في هذا السياق كل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، اللذين وجدا نفسيهما في قلب نقاش واسع بسبب ملفات مختلفة، لكنها تصب في الاتجاه نفسه، وهو الرهان على شخصيات ذات وزن انتخابي، رغم ما يحيط ببعضها من متابعات أو إدانات قضائية أو جدل سياسي وأخلاقي.
فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أعلن بشكل واضح طموحه لاحتلال المرتبة الأولى في انتخابات 2026، لا يخوض معركته الانتخابية في ظروف مريحة، إذ يواجه تحديات تنظيمية وسياسية وأخلاقية متشابكة. فمن جهة، ما تزال تجربة القيادة الجماعية التي اعتمدها الحزب منذ مؤتمره الخامس تثير تساؤلات بشأن وحدة القرار وتدبير الخلافات الداخلية، خاصة مع التغييرات التي طالت تركيبة القيادة بعد أشهر قليلة من انتخابها، وهو ما يفرض على الحزب إثبات قدرته على الحفاظ على الانسجام الداخلي خلال مرحلة توزيع التزكيات واختيار المرشحين.
ومن جهة أخرى، يجد الحزب نفسه مطالبا بإقناع الناخبين بأنه لا يعتمد فقط على استقطاب المنتخبين والأعيان، بل يمتلك أيضا برنامجا سياسيا واضحا يميزه عن باقي مكونات الأغلبية الحكومية، خاصة أنه يشارك في تدبير الحكومة منذ سنة 2021، الأمر الذي يجعله شريكا في حصيلتها وإنجازاتها وإخفاقاتها على حد سواء.
غير أن التحدي الأكبر يبقى مرتبطا بصورة الحزب في ظل القضايا القضائية التي ارتبطت بعدد من أبرز قياداته ومنتخبيه خلال السنوات الأخيرة. فقد أعادت قضية “إسكوبار الصحراء” الجدل حول آليات اختيار المسؤولين داخل الحزب، بعدما صدرت أحكام ابتدائية بالسجن في حق شخصيات بارزة سبق أن تقلدت مسؤوليات حزبية وانتدابية مهمة، من بينها عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري وعبد الرحيم بعيوي، وهي الأحكام التي ما تزال قابلة للطعن، في وقت سبق للمعنيين نفي التهم المنسوبة إليهم. كما أثارت ملفات أخرى، من بينها الجدل المرتبط بعقارات في ضواحي مراكش، نقاشا واسعا حول ضرورة تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المقابل، وجد حزب الاستقلال نفسه بدوره في دائرة الانتقادات، بعدما منح التزكية للبرلماني الحالي نور الدين مضيان لخوض الانتخابات المقبلة، رغم صدور حكم نهائي في حقه بالحبس النافذ، وهو ما أثار تساؤلات قانونية وسياسية حول مدى انسجام هذه الخطوة مع مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب، الذي ينص على حالات تمنع الترشح بالنسبة لبعض المحكوم عليهم بأحكام نهائية.
ورغم هذا الجدل، يبدو أن الحزب فضل الرهان على الثقل الانتخابي الذي يمثله مضيان داخل دائرة الحسيمة، انطلاقا من اعتبارات مرتبطة بقدرته على الحفاظ على نفوذ الحزب في واحدة من أبرز الدوائر الانتخابية بالشمال، وهو ما يعكس استمرار منطق الاعتماد على الأسماء القوية انتخابيا، حتى عندما تكون مثار نقاش قانوني أو سياسي.
وتكشف هذه الوقائع أن المنافسة الانتخابية المبكرة دفعت الأحزاب إلى تغليب الحسابات المرتبطة بحصد المقاعد على الاعتبارات الأخلاقية، إذ أصبح معيار القدرة على الفوز يتقدم، في عدد من الحالات، على معايير الكفاءة أو نظافة السجل القضائي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى نجاح مسار تخليق الحياة السياسية الذي شكل أحد أبرز شعارات الإصلاح خلال السنوات الماضية.
كما تعيد هذه التطورات طرح سؤال جوهري حول طبيعة النخب التي ستقود المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الأحزاب في الرهان على شخصيات تمتلك قواعد انتخابية واسعة وشبكات نفوذ محلية، بدل الدفع بوجوه جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
ومع اقتراب الحملة الانتخابية، تبدو الأحزاب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم إجابات مقنعة للرأي العام بشأن معايير اختيار مرشحيها، ومدى التزامها بالقوانين المؤطرة للانتخابات، حتى لا تتحول شعارات الإصلاح وتخليق الحياة العامة إلى مجرد خطابات انتخابية تصطدم بممارسات تكرس منطق الفوز بأي ثمن، وهو ما قد يزيد من اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والأحزاب السياسية.

تعليقات